مختصر تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي (1-3)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وقد بلغت الدولة السامانية أوج قوتها في عصر نصر بن أحمد الساماني، فسيطرت على أقاليم ما وراء النهر وخراسان وسجستان وطبرستان والري وكرمان. ورغم أن السامانيين أحيوا كثيرًا من مظاهر الحياة الفارسية القديمة؛ إلا أنهم لم يخرجوا عن طاعة الخليفة العباسي، فكانت له السيادة عليهم، وكانوا يتبعون مذهب أهل السنة.
وتعد الدولة السامانية في نظر الإيرانيين أهم دولة في إيران بعد الفتح الإسلامي؛ إذ أحيت من جديد بعض مظاهر الحضارة الفارسية القديمة، وساعدت على رواج اللغة الفارسية إلى جانب اللغة العربية، فتفاعلت مظاهر الحضارتين الإسلامية والفارسية تفاعلًا قويًّا في ذلك العصر، وإن كانت الصبغة السنية واضحة الغلبة في إيران في تلك الفترة، لكن الإيرانيين يتعصبون للدولة السامانية، ولا يفوق تعصبهم لها إلا تعصبهم للدولة الصفوية التي جعلت بعد ذلك المذهب الشيعي الإمامي المذهب الرسمي لإيران.
خاض السامانيون عدة حروب في بلاد التركستان أسروا فيها كثيرًا من الأتراك، فاستخدموهم في خدمة القادة والوزراء وكبار رجال الدولة، وسرعان ما وصل هؤلاء الأتراك إلى مناصب الدولة العالية، فكان منهم الحجاب وقادة الجيش والمربون للأمراء، وازداد نفوذهم حتى صاروا يتدخلون في شؤون الحكم، وصارت لهم الكلمة العليا، وتمكنوا في النهاية من إسقاط الدولة السامانية، لتدخل إيران في عصر النفوذ التركي، حيث كون الأتراك دولًا قوية كان لها شأن كبير في التاريخ الإسلامي عامة، وتاريخ إيران خاصة، والتي من خلالها بلغت الصبغة السنية في إيران أزهى درجاتها وأوجها.
دور الأتراك في التاريخ الإسلامي:
كان ظهور العنصر التركي عاملًا مساعدًا في تقوية الصبغة السنية في البلاد الخاضعة لنفوذ الخليفة العباسي السني. فقد استعان الخلفاء العباسيون بالعناصر التركية منذ عهد الخليفة العباسي المعتصم بن المأمون، وذلك من عام 218 هـ إلى عام 227 هـ. وكانت أم المعتصم تركية، واستمر ذلك الوضع طوال القرن الثالث الهجري وما بعده، حتى طغى نفوذ الترك، وصار لهم دور في توجيه الأحداث في الدولة.
امتاز الأتراك لطبيعتهم البدوية بالشجاعة والتعصب لما يؤمنون به، فيدافعون عنه بقوة ولا يقبلون غيره، فتولوا حراسة الحكام، وكانوا لقصورهم حجابًا، والتحقوا جنودًا بالجيش. كما كثرت الجواري التركيات، فكن جواري في قصور الحكام والعظماء لما اشتهرن به من الجمال والجاذبية، وصارت منهن زوجات للخلفاء والسلاطين وقادة الجيش وحكام الأقاليم، وصار منهن أمهات لبعض الخلفاء والسلاطين، مما زاد من قوة ونفوذ الأتراك، الذين كانوا يدينون بالطاعة والولاء للخليفة العباسي في بغداد.
الدولة الغزنوية:
اتخذ السامانيون أيضًا العناصر التركية حتى ارتفع شأنهم فصاروا ضباطًا في الجيش لهم كلمة مسموعة. ثم بدأ تطلعهم إلى الحكم، فظهرت أول دولة تركية، وهي (الدولة الغزنوية)، في القرن الرابع الهجري. وكان (البكتين) -أول حكام الغزنويين- عبدًا تركيًّا من مماليك السامانيين الذين التحقوا بجيشهم، ثم صار من القادة، ثم أصبح حاكمًا على خراسان في عام 349 هـ، ثم بسط نفوذه على إقليم أفغانستان في عام 351 هـ، حيث أعلن تأسيس دولة جديدة تركية اتخذت مدينة (غزنة) في أفغانستان حاليًّا عاصمة لها، فنسبت إليها فسميت (الدولة الغزنوية)، وهي نسبة على الطريقة الفارسية، أمَّا نسبتها في اللغة العربية فينبغي أن تكون غزنية لا غزنوية.
وقد بلغت هذه الدولة أقصى قوتها ونفوذها في عهد السلطان محمود الغزنوي، ثالث حكام هذه الدولة وأشهر سلاطينها، حيث تمكنت من بسط حكمها على إقليم أفغانستان وما وراء النهر وخراسان وطبرستان وسجستان، فلم يعد خارج نفوذها من أقاليم إيران غير إقليمي كرمان وفارس، واستطاعت إسقاط الدولة السامانية، والقضاء على كثير من آثارها المنتسبة إليها، وأن تستولي أيضًا على كثير من ممتلكات الدولة البويهية الشيعية الإسماعيلية في هضبة إيران، ودفعهم إلى غرب الهضبة.
وقد تمكَّن السلطان محمود الغزنوي من بسط سيطرته على القسم الشمالي من شبه القارة الهندية المترامية الأطراف من خلال غزواته المتلاحقة لنشر الإسلام لأكثر من عشرين عامًا، بدأت عام 392 هـ واستمرت إلى عام 416 هـ، حتى عد في التاريخ أنه (فاتح الهند) في أواخر القرن الرابع الهجري، لكثرة فتوحاته وانتصاراته، مع تشجيعه للعلماء في مختلف العلوم والفنون، الذين اجتمعوا حوله وقدموا الكثير من الكتب في مختلف العلوم والفنون، وساهم بعدها مسلمو الهند في بناء صرح الحضارة الإسلامية في هذه البلاد منذ ألف عام من الزمان.
ويعد السلطان محمود الغزنوي من أعظم حكام المسلمين الذين ساهموا في نشر الإسلام، وقد ساعد بفتوحاته في نشر اللغة الفارسية وآدابها في بلاد الهند منذ القرن الخامس الهجري، مما ساهم في ظهور لغة إسلامية جديدة في بلاد الهند هي (اللغة الأوردية)، وهي لغة باكستان الموجودة حاليًّا في جزء من شبه القارة الهندية.
دولة السلاجقة:
شهد عصر السلطان محمود الغزنوي في أواخر القرن الرابع الهجري ظهور الأتراك السلاجقة في بلاد ما وراء النهر، ومنها انتقلوا إلى إقليم خراسان، حيث تمكنوا بقيادة (طغرل) من هزيمة السلطان مسعود الغزنوي بن السلطان محمود، ليسيطروا على خراسان، وليعلن طغرل في عام 429 هـ نفسه سلطانًا في نيسابور، وقيام دولة السلاجقة (الدولة السلجوقية)، التي تحمل الصبغة السنية وتخلص للخلافة العباسية. وقد نجح السلاجقة في بسط نفوذهم على إيران والعراق وبلاد الشام وجزء كبير من آسيا الصغرى.
