شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جوانب من مخالفة الاشتراكية للإسلام

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

9- معاناة الدول التي تطبق الاشتراكية من البطالة المقنعة، فالتزام الدولة بتعيين كل الخريجين وإيجاد العمل الحكومي لكل المواطنين، مع عدم توفر المشروعات القومية القادرة على استيعاب كل هؤلاء، ومع تزايد أعداد الخريجين عامًا بعد عام وكثرتهم عن حاجة العمل ما يدفع لتعيين الخريجين في أماكن حكومية لا تحتاج لهم أو لا توافق تخصصاتهم وميولهم، مِمَّا يبدد طاقاتهم وعدم الانتفاع المجدي منهم مع الالتزام بسداد مرتباتهم كاملة، مِمَّا يزيد العبء على ميزانية الدولة في غير مقابل إنتاج يعوض ذلك. والمحصلة: خسارة القطاع العام.

شبهات والرد عليها:

تعلَّق كثيرون في مصر -وفي العالم العربي- في فترة من الفترات بالفكر الاشتراكي واعتنقوه، وسعى جمال عبد الناصر خلال فترة حكمه لمصر في فرض الاشتراكية وتطبيقها. ومن قبله قال أحمد شوقي الملقب بأمير الشعراء في قصيدته (وُلِد الهدى)، والتي غنتها أم كلثوم بعد ذلك في عام 1949م:

الاشتراكيـون أنـت إمـامهم لولا دعاوى القوم والغلواء

هذا رغم ما بين الإسلام والاشتراكية من التناقض البَيِّن!

وقد تعلَّق هؤلاء المفتونون بالاشتراكية وقتها بشبهات واهية، زعموا بها موافقة الاشتراكية لما جاء به دين الإسلام ودأبوا على ترديدها، ومن تلك الشبهات:

1- احتجاجهم على اشتراك عامة الناس في ملكية مال الدولة بالحديث الصحيح الذي فيه عموم اشتراك الناس في الماء والكلأ والنار، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَإِ، وَالنَّارِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . وليس في هذا الحديث دليل على ما ذهبوا إليه وأقاموا عليه باطلهم؛ إذ الحديث يدل على اشتراك الناس في المباحات العامة التي ينبغي ألَّا يتملكها أحدٌ ويتسلط عليها.

(والمشهور بين العلماء أنَّ المراد بالكلأ: هو الكلأ المباح الذي لا يختص بأحد. والماء: ماء السماء والعيون والأنهار التي لا تملك. وبالنار: الشجر الذي يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه. فالماء إذا أحرزه أحد في إنائه وملكه يجوز بيعه، وكذا غيره) (ينظر: عون المعبود) . و(قال ابن القيم -رحمه الله-: الماء خلقه الله في الأصل مشتركًا بين العباد والبهائم وجعله سقيًا لهم، فلا يكون أحد أخص به من أحد ولو أقام عليه ونشأ عليه. قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ابن السبيل أحق بالماء من التانئ عليه ذكره أبو عبيد عنه. وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: ابن السبيل أول شارب. فأمَّا من حازه في قربته أو إنائه فذاك غير المذكور في الحديث. وهو بمنزلة سائر المباحات إذا حازها إلى ملكه ثُمَّ أراد بيعها، كالحطب والكلأ والملح. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ) (رواه البخاري) (زاد المعاد) .

فالحديث في الأشياء العامة التي يحتاجها كل الناس لسد وتلبية حاجاتهم كمياه العيون والأمطار والعشب فليس لأحدٍ منع الناس عنها؛ لأنها ليست ملكًا لأحد، أمَّا إن وُجِدَت في أرض مملوكة فهي تتبعها. والحديث حدَّد اشتراك الناس في هذه الأشياء الثلاثة، والاشتراكيون يعممون الأمر ليدخل فيه فضول أموال الناس التي لم يتعرض لها الحديث.

2- الاحتجاج بما ورد عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- أنَّه كان يرى أنَّ ما زاد عن حاجة الإنسان يُعَدُّ كنزًا يُكْوَى ويعذب به يوم القيامة وإن أخرج عنه زكاته، لذا يجب أن يواسي به الآخرين ولا يحتفظ به لنفسه أو أولاده. وقد تكلم العلماء كثيرًا على مذهب أبي ذر -رضي الله عنه- هذا، وبينوا مخالفته للكتاب والسُّنَّة، وأنَّ عمل الأمة على خلافه، وأنَّه فهم واجتهاد منه -رضي الله عنه-، وهو يخالف به ما كان عليه وعمل به الخلفاء الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين وعلماء الأمة.

والصواب: أنَّ الكنز الذي يعذب ويُكْوَى صاحبه هو المال الذي لم يؤد حقوقه من زكاة ونفقة واجبة على الأهل والأقارب. وقد كان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- العديد من خيار الصحابة من المهاجرين والأنصار من أصحاب الأموال الكثيرة، ولم يروا مثل ما رأى أبو ذر -رضي الله عنه-.

وكان عهد ولاية عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قد شهد بعد الفتوحات الإسلامية توسع الأغنياء في أمور الدنيا فتوسع أبو ذر -رضي الله عنه- في الإنكار عليهم وتبنى مذهبه هذا، لذا كان اعتزاله -رضي الله عنه- الناس حتى وفاته.

قال ابن العربي -رحمه الله-: (كان أبو ذر -رضي الله عنه- زاهدًا، وكان يُقَرِّع عمال عثمان -رضي الله عنه-، ويتلو عليهم: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (التوبة: 34) ، ويراهم يتسعون في المراكب والملابس حين وجدوا فينكر ذلك عليهم، ويرى تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر -رضي الله عنهما- وغيره من الصحابة وهو الحق أنَّ ما أديت زكاته فليس بكنز) (العواصم من القواصم) .

3- الاحتجاج بعدم قيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بتقسيم الأرض المفتوحة بين الجنود الفاتحين؛ قالوا: فكأنه قام بأخذها من مستحقيها للمصلحة العامة بغير نص من الشرع على ذلك، وهذه قضية قد أساء الاشتراكيون فهمها واستغلالها. وقد ذكر العلماء أنَّ هذه المسألة ليس فيها وجوب ولا تحريم، ومردها إلى اختيار إمام المسلمين بما يراه الأصلح للأمة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية