شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

سياحة روحية في الصحة والمرض "حوار"

صوت السلف • حوارات

والإنسان يحتاج للألم ويستفيد منه، ولو فقد الإنسان الألم سيصبح في خطر عظيم؛ فقد يضع يده في الكهرباء ويموت دون أن يشعر، أو يمسك بأشياء ساخنة تحرقه دون أن يشعر.

وكما أن البدن يحتاج للألم لكي يحيا؛ فإن القلب يحتاج للألم كذلك حتى يحيا، وإلا هلك وفسد دون أن يشعر العبد بذلك.

- وما هو ألم القلب الذي يحييه ويحفظه؟

القلب من دوام وامتداد واستمرار النعم يظن بعد فترة أن هذه النعم هي حق مكتسب له، ويقول بلسان حاله: ( هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) (فصلت:الآية50) . فهو يقولها بحاله وليس المهم أن يقولها بلسانه؛ فهو ليس بالضرورة يصل إلى درجة الكفر والعياذ بالله.

ولكن القلب يظن أن العافية كلها ستدوم له، وأن شبح الموت بعيد جدًّا، وأن كل الذي ذكره القرآن من أنواع العذاب كأنه خيال، والألم فقط هو الذي يعيده إلى ربه ويعيده أيضًا إلى صوابه، ويعرفه بحقيقة ضعفه وعجزه.

اليوم جلسة الحوار مفقودة تمامًا في الأسرة، وإذا جلسوا سويًّا فهم لا يتكلمون مع بعضهم ولكنهم ينصتون لـ"التلفزيون" أو "الكمبيوتر"

- يقول بعض السلف: إن سيدنا أيوب هو حجة الله على المرضى، وسيدنا يوسف هو حجة الله على المسجونين في كل زمان ومكان؛ فما رأيك في هذا القول؟

نعم؛ فالمرض لم يُستثن منه أحد من الخلق حتى الأنبياء وهو دليل على أنهم عباد لله يصبيهم المرض والألم، وقد كان سيدنا أيوب عليه السلام يعاني من الألم والعذاب ( أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) (صّ:الآية41) ؛ فقد كان يتألم ألمًا شديدًا، وكذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوعك ويتألم كما يتألم رجلان من أصحابه، وكان يصيبه الصداع النصفي "الشقيقة" بالألم الشديد.

- علمت أنك تألمت ألما شديدًا في مرضك الأخير بعد العملية الجراحية. أليس كذلك؟

بلى؛ لقد أصابني ألم شديد جدًا بعد العملية وكان الألم يأتيني كلما بلعت ريقي، هذا يحدث كل لحظة؛ فالألم في الحلق صعب جدًا، وقد تذكرت وقتها نعمة البلع السليم وتذكرت قوله تعالى: ( وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ ) (المزمل: من الآية13) . فلم أكن أشعر قبل اليوم قيمة نعمة البلع التي ما قدرناها حق قدرها وما شكرناها حق الشكر.

فلن يعرف أحد قيمة هذه النعمة إلا إذا تألم في كل بلعة يبلعها لريقه فضلاً عن طعامه وشرابه.

- تعاملت مع الآلام كطبيب كثيرًا، والآن تعاملت مع آلام شديدة في حلقك كمريض؛ ما الفرق بين الحالتين؟

أحيانًا الطبيب منا يسعد أن مريضه قد تحسن وقد شُفي من مرضه، ويسعد بشطارته ومهارته الطبية، ويظن أنه قد صنع بذلك شيئًا عظيمًا.

وفي الحقيقة لو تفكر في نفسه قليلاً لأدرك أنه لا يملك شيئًا في الحقيقة؛ فهو لا يستطيع أن يجعل الهواء العادي يدخل رئتيه بسلاسة وسهولة، حتى التئام الجروح فهي بإذن الله، فلا يلتئم جرح إلا أن يأمر الله الخلايا بالالتئام، وقد جربت ذلك عمليًا في حالتي؛ فقد أجريت لي العملية بالليزر وكان الجراح أستاذًا كبيرًا وأخذت مضادات حيوية كثيرة، ورغم ذلك فإن الجرح لم يلتئم حتى الآن، والبلع فيه صعوبة كبيرة؛ لأن الله لم يأذن بعد للخلايا بالالتئام مرة أخرى.

- ما هي أشد حالة آلام رأيتها وأنت طبيب؟

لقد رأيت عدة حالات احتضار من أقاربي ومن غير أقاربي، والاحتضار لحظة صعبة جدًّا على العبد، وأذكر أن والد أحد الإخوة كان مريضًا، وكان ابنه يطلب مني متابعة حالته الصحية، وكانت حالة هذا الرجل صعبة جدًّا وحرجة للغاية، وكان في أيامه الأخيرة، وكان يردد دائمًا كلمة "آه" من شدة الألم، وبعدها لم يستطع أن ينطق بكلمة "آه" من شدة التعب والألم والوهن؛ فهناك مرضى يصلون إلى درجة لا يستطيعون معها التعبير عن آلامهم.

- ما الحكمة في أن يمرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويشتد عليه المرض ويوعك كما يوعك رجلان، مع أن الله قادر على أن يعافيه من ذلك؟

نعم، هناك حكمة في ذلك فهو إثبات لبشرية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهو دعوة لعدم الغلو في الأنبياء، ودعوة لوحدانية الله –سبحانه-؛ فهو المتفرد بالكمال، وهو يفيدنا كذلك في التأسي بهم في الصبر والرضا ورجاء الأجر والثواب.

وكل ذلك يعلمنا التأسي بهؤلاء الرسل في تحقيق التوحيد أثناء مرضهم مع اتخاذ الأسباب للتداوي، وأتباع الرسول يرونه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا ولا دفعًا لمرض إلا بإذن الله، ويرونه يتخذ أسباب التداوي فلا يهملون توكل القلب ولا عمل الجوارح بالأسباب.

- هل "الروتين" الدعوي الثابت للداعية يعطي درسًا هنا ويخطب الجمعة هناك، ويجلس مع تلاميذه في وقت كذا. هل هذا "الروتين" اليومي والأسبوعي والحياتي يضر الداعية على المدى البعيد؟

بلا شك، إذا استمر هذا "الروتين" مع الداعية سيحوله من داعية يشعر بما يقول إلى آله تردد مادة علمية، وقد يشغله ذلك "الروتين" عن إصلاح نفسه ورتق عيوبها، وأن يخلو بنفسه يعاتبها وينصحها، ويخلو بربه ويعطي وقتًا لإصلاح عيوب أسرته القريبة؛ لأن هدايتهم في حكم فرض العين عليه.

- بعض الدعاة وكثير من أبناء الحركة الإسلامية يظنون أن كل ابتلاء أو بلاء يقع عليهم هو رفع للدرجات، ولا يلتفتون إلي مسألة تكفير السيئات؛ فما رأيك في هذه القضية؟

علي العبد أن يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بالآخرين؛ فعندما يحدث له بلاء عليه أن يستحضر قول الله -تعالى-: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) (آل عمران:الآية165).

فيجب على العبد ألا يزكي نفسه وإلا يرفع نفسه، أو يظن أنه بغير سيئات أو ذنوب.وإلا وقع في العجب والغرور المذموم.. ومن رضي عن نفسه فليعلم أن الله غير راض عنه.

وعلى الدعاة أن يتواضعوا لله رب العالمين؛ لأن بحث الإنسان عن ذنوبه ومعاصيه وهناته هو مفتاح العلاج والإصلاح الحقيقي داخل الدعوة نفسها .

- ما هو الدعاء الذي دعوت به كثيرًا أثناء مرضك؟

هو دعاء سيدنا يونس: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (الأنبياء: من الآية87) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية