شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بصمات الوضع والتحريف في مرويات الصلب والقيامة

أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان

فلم يفسر آية "يونان" بما فسرها بها "متى"، بل ذكر أن المسيح -عليه السلام- آية لقومه كما أن "يونان" كان آية لقومه، ولو كان تفسير تلك الآية يمت من قريب أو بعيد للعقائد "الأساسية"؛ لما أهمله "لوقا".

أما "مرقص" فقد خالف "متى" و"لوقا" مخالفة عظيمة؛ فقال: "لماذا يطلب هذا الجيل آية؟! الحق أقول لكم: لن يعطى هذا الجيل آية"، فنفى نفيًا عامًا ولم يستثن آية "يونان" أو غيرها، وهو أولى رد على اليهود في هذا المقام، فقد رأوا آيات كثيرة دالة على أنه المسيح، فإذا تعنتوا وطلبوا آية أخرى؛ كان من الحكمة أن لا يجابوا إلى طلبهم، ولو كان لـ"يونان" ذكر هنا؛ لما أهمله "مرقص"، وكذلك "يوحنا" لا يعلم شيئًا البتة، و"إنجيل يوحنا" رغم أنه من أكثر الأناجيل التي يستروح لها النصارى ويستدلون به على عقيدتهم إلا أن كاتبه كان أقل خطأ وغلطـًا في نقل ألفاظ المسيح -عليه السلام-، وهو يفصل في كثير من المواطن بين ألفاظ المسيح -عليه السلام- وبين فهمه هو لها، وهو بذلك يساعدنا على تلمس بصمات التحريف ببقية الأناجيل، ويبين لنا الطريقة التي كانوا يدونون بها.

يذكر "يوحنا" أن اليهود طلبوا من المسيح آية فقال لهم: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه. فقال له اليهود: في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل، أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟!".

ويعلق "يوحنا" على ذلك بقوله: "وأما فهو كان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات؛ تذكر تلاميذه أنه قال هذا الكلام، فآمنوا بالكتاب وبالكلام الذي قاله يسوع".

إن كلام المسيح هنا ظاهر مفهوم وهو الذي فهمه اليهود، ومن ادعى أنه كان يعني شيئًا آخر؛ فعليه الدليل، ولكن مع بعد تأويل "يوحنا" وفهمه لكلام المسيح -عليه السلام- فقد أحسن في فصل كلامه عن كلام المسيح -عليه السلام-، ولعل النبوءات الصريحة التي مرت بنا وكشفنا بعض بصمات التحريف بها كانت من ذلك الجنس قبل أن يحرفوها، بل إن بقية تعليق "يوحنا" يؤكد أنهم لم يكن لديهم نبوءة صريحة عن "الصلب" و"القتل" و"القيامة"، وإنما هو كلام محتمل فسروه حسب الأحداث التي حكيت لهم بعد ذلك، فهذه شهادة "يوحنا" عليهم باختلاق النبوءات الصريحة على لسان المسيح -عليه السلام-.

ويشبه ذلك من بعض الوجوه ما رواه "يوحنا" -أيضًا- عن المسيح -عليه السلام- أنه قال لهم في أيامه الأخيرة: " الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجًا، وأنا إن ارتفعت أجذب إليَّ الجميع"، وهو كلام صريح في رفعه ليس إلا، ليس فيه إشارة لصلب ولا قيامة ولا نحوهما، بل ظاهره حصول الرفع دون حصول شيء له من ذلك.

لكن "يوحنا" يعلق على ذلك بقوله: "قال هذا مشيرًا إلى آية ميتة كان مزمعًا أن يموت"، لقد ظن "يوحنا" أن الرفع يستلزم موته، فأجابوا المسيح -عليه السلام-: "نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان"، أي: فإن كنت أنت المسيح فقد بشرت "التوراة" والأنبياء أن المسيح -عليه السلام- إذا جاء يبقى أزمنة مديدة حيًّا لا يموت، فلم ينكر المسيح -عليه السلام- ذلك الكلام رغم كثرة إنكاره؛ لافتراءات اليهود، وهذا هو معتقد المسلمين أنه -عليه السلام- لم يمت، وأنه رفع حيًّا إلى السماء، ويبقى حيًّا إلى قرب قيام الساعة؛ حيث ينزل ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم بالشريعة المحمدية، ويموت ويدفن، ويكون ذلك من علامات الساعة الكبرى، وهذه النبوءة جارية على معتقد المسلمين لا على معتقد النصارى ولا "يوحنا"، ولا اليهود.

أما المحور الثاني الذي يعتمد عليه النصارى لإثبات "الصلب" و"القيامة" فهو: شهادة بعض أتباع المسيح -عليه السلام- على ذلك، وهذا المحور أمره أهون، فإن غايته أنهم يشهدون بما رأوه، ووقوع الغلط في الشهادة ممكن شائع بخلاف وقوع الغلط والخلف في كلام المسيح -عليه السلام- ونبوءاته، فهذا مما لا يكون، مع أن الأمر ليس كما يزعمون، فإن كتبة "العهد الجديد" متفقون على أن المسيح لما داهمه أعداؤه؛ تركه تلاميذه كلهم وهربوا، وأنه في تلك الساعة إلى ساعة "الصلب" لم يره أحد من المؤمنين به فضلاً عن تلاميذه المقربين إليه، وهم مع ذلك ينقلون أحداث هذه المدة بتفصيل شديد وساعة بساعة، فمن هذا الذي شاهد؛ ليروي؟! إنهم اليهود أنفسهم المعروفون بالبهت والكذب، فليس للنصارى مستند في حكاية ما حدث للمسيح -عليه السلام- في تلك المدة سوى رواية اليهود الذين طالما طلبوه؛ ليقتلوه، فيحفظه الله -عز وجل-، وينجيه مرة بعد مرة من بين أيديهم، ولا يبعد على اليهود أن لو فاتهم الظفر بالمسيح أن يشيعوا بين الناس أنهم ظفروا به وفعلوا به الأفاعيل، وزيادة في التلبيس على الناس يأتون بأحد مكانه ويشبهون على الناس أن ذلك المصلوب هو عيسى -عليه السلام-.

ومشهد "الصلب" نفسه لم يحضره سوى عدد قليل أكثرهم من اليهود، وبعضهم من أتباع المسيح -عليه السلام- ومعارفه، وقد كان أكثرهم -إن لم يكن كلهم- نسوة ينظرن من بعيد، فإذا أضفت إلى ذلك أن المصلوب صفع وجلد وضرب ضربًا شديدًا مبرحًا طمست معالمه بسببه، وأنهم جردوه من ملابسه وصلبوه عريانـًا بعد ما ألبسوه تاجًا من الشوك إلى آخر تلك الآلام التي يحكونها... فمن بعد ذلك يمكن أن يجزم أن المصلوب هو فلان أو غيره؟!

ولذلك اخترع النصارى تلك النبوءات المزعومة على لسان المسيح -عليه السلام-؛ لينقلوا الأمر من مجرد الظن والتخمين إلى أعلى درجات القطع واليقين، ولكن بصمات التحريف كشفتهم؛ فازداد الخرق على الراقع.

ويختم رواة تلك "الأناجيل" مروياتهم بظهور شخص للتلاميذ يدعي أنه المسيح ويوبخهم بزعم أنه المسيح -عليه السلام-؛ لأنهم لم يصدقوا الذين أخبروهم بقيامته! قائلا لهم: "هكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث"!!

الصفحة السابقة الصفحة التالية