الشيخ "أسامة حافظ" ومحاولة استنساخ الشيخ "الغزالي"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
وأنت ترى أن رد الحديث بالعلة لم يتسنى إلا بعد اكتشاف الخلل الظاهر الذي أصاب هذا الحديث، ولم يطمئن وجدان العلماء لإعلال الحديث إلا بعد أن وجدوا التصور الكامل لمنشأ الخلل في الرواية، وأما باب التعارض والترجيح فباب واسع اتفق العلماء فيه على أن الجمع الذي هو محاولة إعمال كل من الدليلين في آن واحد أولى؛ فإن تعذر فيلجأون للترجيح الذي يبنى على استفراغ الوسع في تقديم الدليل الأقوى ثبوتـًا ودلالة، والذي يقودهم إلى محاولة استنباط علة ما في الدليل الآخر حتى يطمئنوا في نهاية الأمر إلى أنهم لم يفتهم شيء مما في دين الله.
وكذلك فمن أبواب الترجيح النسخ الذي يبنى على أنه متى صح نسبة أمرين متعارضين إلى الشرع فلا بد أن اللاحق منهما ناسخ للسابق، هذا طبعًا بخلاف النسخ المنصوص عليه، والذي لا يدرج تحت باب التعارض والترجيح إلا من باب التسامح، وإلا فالنص عليه يمنع من الوقوع في وهم التعارض ابتداءً.
الحاصل أن ثمة خلل جوهري في السند أو المتن يقتضي الحكم عليه بشذوذ أو علة يُرد بها الحديث؛ فإن صح سنده ولم يشتمل على شيء من ذلك اعتبر أحد أدلة الأحكام، والتي ينبغي على الفقهاء إعمال جهدهم في العمل بها، ولما غاب هذا المعنى عن الشيخ الغزالي -رحمه الله- استنكر بقاء حديث: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) (متفق عليه) ، في دواوين السنة رغم إنكار عائشة -رضي الله عنها- له، وعائشة -رضي الله عنها- إنما ظنت أن عمر وابنه -رضي الله عنهما- وهِمَا؛ لأنها سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حق يهودية: أنها تعذب وهم يبكون عليها، يعني: تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء.
وتأكد ذلك لديها بقوله -تعالى-: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام:164) ، ومع ذلك رأى المحدثون حديث عمر -رضي الله عنه- ليس فيه مخالفة مطبقة توجب رده بكل حال، ثم نظر الشراح في الأحوال والقرائن فوجدوا أن الواقعة التي ترويها عائشة -رضي الله عنها- غير التي يرويها عمر -رضي الله عنه-؛ فلم يبقَ إلا التعارض الظاهري مع القرآن؛ فسلك العلماء فيه مسلك الجمع وحملوه على من أوصى أهله بالبكاء عليه، بل وبقي جانب آخر من التعارض؛ وهو ما ثبت من إباحة البكاء على الميت فحملوا حديث عمر على النياحة لا على مطلق البكاء.
ومع أن هذا المسلك مثبت في شروح كتب السنة، وفي كتب الفقه إلا أن الشيخ الغزالي أعرض عن كل هذا ليظل مستنكرًا على المحدثين إبقاءهم هذا الحديث في دواوين السنة.
ومن هنا يتبين أن الغزالي لم يسلك مسلك العلماء في قبول كل الأدلة التي في الباب متى صحت وسلمت من العلة القادحة على النحو الذي بيناه، ثم إجراء قواعد التعارض والترجيح إذا وجد التعارض، وفي هذه الحالة يرجح العالِم الدليل الأقوى، ولذلك مسالك موجودة في مظانها، وهذا يختلف عن إعمال الرأي والهوى المتفق بين أهل السنة على رده (10) .
وإلا فأي دليل عارَض عند البخاري حديث: "الأمر بقتل الكلاب" إلا أن "الأوربيين" يحبونها؟!
وأي دليل عارض عنده النهي: "عن أكل كل ذي ناب من السباع" ومنها الكلاب إلا أن "الكوريين" يأكلونها؟!
وأي دليل عارض عنده حديث: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" إلا أن "إنجلترا" قد رضوا بحكم "المرأة الحديدية"؟!
وأي دليل عارض عنده أحاديث "سحر النبي -صلى الله عليه وسلم-" إلا أن "المستشرقين" يرون هذا طعنـًا في النبوة؟!
وأي دليل عارض عنده أدلة "حرمة المعازف" إلا أنه يحب سماع "أم كلثوم"؟!
وأي دليل عارض كل أحاديث "الهدي الظاهر" إلا أنه يراها من القشور؟!
لقد رام الشيخ أسامة حافظ أن يصور لنا أن أخطاء الشيخ الغزالي ما هي إلا أخطاء في تطبيق قاعدة متفق علي صحتها؛ بينما هي في الواقع تطبيق لقاعدة "متفق على فسادها عند السلف".
ومما يشهد لذلك صنيع الشيخ أسامة نفسه الذي توفرت همته لنقل ثلاثة عشر مثالاً لتطبيق العلماء لهذه القاعدة، وضنَّ علينا بمثال واحد يشرح لنا دوافع الغزالي التي جعلته يرد ما ردَّ من السنة.
إننا نجزم أنه لا يرد أحد دليلا إلا لدليل ينقدح في نفسه أنه أقوى منه، ولكن الخلاف بيننا وبين العقلانيين على مدار تاريخهم في أنهم يرون في أوهام عقولهم قطعيات عقلية تـُرد نصوص الوحي من أجلها، حتى خرج علينا الغزالي ورفاقه فجعلوا من أهواء غيرنا حاكمًا على شرعنا!!
وكفى بهذا عيبًا على هذا المسلك، والشيخ أسامة يعرف ذلك جيدًا إلا أنه حاول أن يقلب ذلك العيب مزية؛ فقال في معرض دفاعه عن الغزالي:
"أما الثالثة: فهو اهتمام الشيخ بنظرة الآخرين من الغرب للإسلام، وحرصه علي أن يدفع عنه ما علق بأذهانهم عنه من أدران، وكثيرًا ما يصدر حديثه في رد ما يراه من حديث بأن ذلك يسيء للإسلام في عيون الغرب؛ ولكننا نعلم من ثقة الشيخ في دينه وعظيم حملته علي التغريب والدفاع عن هويتنا التي يسعي الغرب لتذويبها فيه الشيء الكثير.
وندرك أن الأمر وإن كان شاغلاً لجزء من جهده الفكري فإنه لا يمكن أن يكون دافعًا وحيدًا لرد الحديث أو الطعن عليه؛ حتى لو كان كذلك فإن معرفتنا بالشيخ وعلمه ودينه كانت ينبغي أن تدفعنا لنحسن الرد إن كان ثمة ما يستدعي الرد، وحسبنا ما نعتقده من حسن نيته وعظيم جهاده لنصرة هذا الدين".
وهنا لم يجد الشيخ أسامة إلا إحالتنا على حسن نية الشيخ، ولا أظنه يغيب عنه قول القائل: "وكم من باغ للخير ليس يبلغه"، وكفى بهؤلاء القوم الذين ذكر الله من شأنهم أنهم: (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف:104) ، واعظـًا لنا حتى لا نركن إلى النوايا.
وفي الواقع إن دفاع الشيخ أسامة عن الشيخ الغزالي ينطبق عليه كله قول القائل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة...