شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الشيخ "أسامة حافظ" ومحاولة استنساخ الشيخ "الغزالي"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

منها، أنه غفر له وبجرة قلم إغلاظه بالقول في حق أئمة أجلاء على اعتبار أن ذلك لا ينقص من قدرهم ولا من قدره، وكنا نتمنى من الشيخ حافظ إذ أغلظ هو على من رد على الشيخ الغزالي واصفـًا إياهم بـ"أنصاف المتعلمين" أن يعامل الغزالي في انتقاصه لعلماء الأمة بشيء من الشدة، أو على الأقل تحذير الأجيال الجديدة من قراءة كتبه حتى لا يتأثروا بأسلوبه؛ لا سيما وأن الفرق بين الشيخ الغزالي وبين الأئمة الذين لمزهم يربو عشرات الأضعاف على الفرق بين الغزالي وبين منتقديه، ما لم يكن الفرق لصالح كثير من هؤلاء المنتقـَدين الذين نصروا سنة رسولهم -صلى الله عليه وسلم- في مواجهة شيخ رام خيرًا من تقريب الإسلام إلى الغرب؛ فبدلاً من أن يدلهم على جوانب عظمته شوهه عن طريق تهجينه بعقول الكفار، بل والله بأهوائهم وشهواتهم.

وأما الجزئية المستعصية على الفهم من دفاع الشيخ أسامة عن الشيخ الغزالي فهي إقراره بأن الغزالي ليس له سلف في بعض ما ذهب إليه، ولو أنصف لقال إنه لا سلف له في معظم ما ذهب إليه (11) .

الحاصل:

- إن تقرير مبدأ الدعوة إلى الله بالحسنى أصيل في منهج السلف لا يحتاج إلى اقتباس من المدرسة العقلانية القديمة ولا الحديثة، لا سيما من كان من رواد تلك المدرسة ممن يرى الرأي فيريد أن يحمل عليه أهل الأرض جميعًا بين عشية وضحاها، وإلا كانوا في عرفه من "البُلهاء".

كم نتمنى أن لا يعتبر الشيخ أسامة حافظ الخطأ السابق في التعامل مع نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خللاً في قاعدة "الاتباع"، وتقديم النقل الذي لا يمكن أن يخالف العقل الصحيح وإن خالف الظنون، حتى وإن صدرت من ذوي العقول الراجحة، وممن لهم حظ من العلم بدين الله.

نسأل الله -تعالى- أن يهدينا إلى ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من المؤسف حقـًا أن نجد أن الشيخ أسامة حافظ ما يزال يمارس نفس هذه الأدوار التي تبرأ منها، ولكنها في هذه المرة مع شباب الصحوة، فإذا الشيخ في "شبابه" كما يقول أقدم على تكسير أجهزة التسجيل للآخرين مع أنهم يقلدون علماءهم القائلين بحل الغناء متذرعًا بما قرأه عن ابن القيم مكتفيًا به، بل غير مكمل إياه بكلام ابن القيم نفسه في موطن آخر بدرجات تغيير المنكر، فها هو يمارس نوعًا من الإرهاب الفكري قائلاً في المقال المذكور:

"لقد مكثت أدرِّس الفقه والأصول للإخوة أكثر من ثلاثين سنة قرأت خلالها كثيرًا من كتب الفقه، عشرات منها علي كل المذاهب سواء مذهب أهل الفقه أو أهل الحديث، مختصراتها ومطولاتها، وكذا قرأت آلاف الفتاوى ما تم جمعه في كتب وما لم يجمع، سواء من فقه علماء السلف أو علماء الخلف".

وعلى الرغم من أن هذه الفترة منها قدر لا بأس به لم يكن فيه لا دراسة ولا تدريس، وربما كان فيها ما ينسي الإنسان مبادئ الهجاء، كما أن معظم هذه الفترة كان الشيخ يرى تكسير المسجلات وإن تكسرت الدنيا بعدها على رأس مكسرها، ورأس كل من صافحه يومًا ما، وكان يرى أن مخالفيه ليس لهم نفس اطلاعه الواسع على كتب السلف.

وأما الحدة والسخرية من المخالف فما يزال الشيخ يستعملها مع خصومه واصفـًا مخالفي الشيخ الغزالي بأنصاف المتعلمين، مع أنه كان في معسكرهم حتى وقت قريب، وإذا استصحبنا أن الدراسات الفقهية تكاد تكون مشترَكة بين معظم الإسلاميين إن لم يكن بين معظم المسلمين، وأن "البصمة الفقهية المميزة" للشيخ أسامة طوال هذه الثلاثين عامًا إلا قليلاً هي في المواطن التي يشجبها الآن؛ تملكنا العجب من قدرته على الجمع بين اعتزازه بتاريخه وبين تراجعه عن جلّ ما كان يميزه في هذا التاريخ.

وإذا كان الشيخ عندما كان ينتقد الغزالي من أنصاف المتعلمين كان يجب أن يحذف من تاريخه الطويل مع الفقه الفترة التي أمضاها مع "أنصاف المتعلمين"، ويقتصر على الفترة التي صار فيها من "المتعلمين"، وحبذا لو كتب لنا بدلاً من "قصته مع الغناء من المنع إلى الإباحة" قصته مع العلم من أنصاف المتعلمين إلى المتعلمين. وأرجو ألا يعتبر الشيخ هذا الاستطراد نوعًا من التجاوز؛ لأنني لم أجاوز فيه ألفاظه ولوازم كلامه.

(2) مقال: "أيام من حياتي ـ7ـ قصتي مع فتوى الموسيقي"، هو الثالث للشيخ أسامة في موضوع الغناء مسبوق باثنين هما:

"فتوى في الغناء" قرر فيها حله ورد على أدلة المخالفين.

"لماذا لا نختلف" استنكر فيها موقف فريق العمل بموقع الجماعة الإسلامية الذين أبدوا ممانعة مبدئية لنشر الفتوى.

وكان الثالث هو مقال "أيام من حياتي ـ7ـ قصتي مع فتوى الموسيقي".

ثم تبعه رابع بعنوان: "رسالة فقهية إلى الداعية عبد الفتاح الأزرق"، والذي نريد التنبيه عليه هنا هو قوله في الفتوى: "ولن نتحدث عن تعليق البخاري للحديث وروايته بصيغة التمريض"، ومع ملاحظة أن البخاري علقه مجزومًا به، وأن كل من صحح الحديث احتج بأنه صحيح عند البخاري نفسه؛ لأنه جزم به مما يدل أن هذه النقطة لا يمكن أن تخفى على باحث أعاد قراءة المسألة من مصادرها، وأن غالب الظن أنه قرأها فقط من كتب المبيحين فكتب ما كتب فلما ثارت ضجة حذف جزئية التمريض والجزم من سياق كلامه هنا، ولم يتعرض لها إثباتـًا ولا نفيًا.

وكانت الأمانة العلمية تقتضي أن يشير إلى الوهم الذي وقع فيه في الفتوى، ولكن تلك الإشارة كان من شأنها أن تنسف دعوى إعادة بحث المسألة بحثـًا "محايدًا" من أصلها، وحتى عندما رد عليه الشيخ "عبد الفتاح الأزرق" وتناول رده هذه الجزئية جاء رد الشيخ أسامة حافظ عليه خاليًا من التعرض لهذه الجزئية لا إثباتـًا ولا نفيًا.

(3) (4) لا أدري إن كان تراجع الشيخ عن الحدة وهو يرمي كل قائل بحرمة الغناء بعدم التجرد، وغالب الظن أن الشيخ لم يتخل عن الحدة على المخالف، بل تراجع عن الحدة عن الموافق فاحتد على مؤيدي الغناء فلما رأى رأيهم تألم لحدته عليهم واستعاض بدلاً عنها بحدة على القائلين بحرمته، فمن هنا نعلم أن الحدة لم تفارق الشيخ، ولا أدري هل كانت هذه إحدى الأمور التي دفعته إلى تبني آراء الغزالي الحادة؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية