الشيخ "أسامة حافظ" ومحاولة استنساخ الشيخ "الغزالي"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
(5) لم يترك الشيخ فرصة لأحد لالتقاط الأنفاس حتى خرج علينا بمقالة: "الشيخ الغزالي والعلة القادحة... معركة كتاب السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث"، ثم تبعه بآخر بعنوان: "الشيخ الغزالي مرة أخري".
(6) في الواقع فإن الشيخ عبد الفتاح الأزرق لم يذكر لنا كم عامًا قضاها مع الكتب أو في تعلم العلم وتعليمه إلا أن بحثه ينم عن شخصية فقهية ناضجة ملمة بالأصول والفروع مع التحلي بالأمانة التامة في نقل كلام المخالف فجزاه الله خيرًا.
(7) لم يفتأ الغزالي ومن نحا نحوه يحذرون الأمة من الانشغال بقضايا لا تهم الأمة، وهي في عرف الغزالي لا تقتصر على الهدي الظاهر، بل تشمل طائفة كبيرة من أبواب الفقه منها أبواب الطهارة والحيض والنفاس، ونحن بدورنا نسأل الشيخ أسامة الذي نبش عن كتاب الغزالي من بين الأنقاض أسئلة، منها:
- هل خلال الثلاثين سنة فقهًا اعتنى بأبواب الطهارة والحيض والنفاس، أم كان يحذفها؟ وإذا كان يقوم بتدريسها قبل تبنيه آراء الغزالي فماذا سيكون الحال لو كتب له تدريس الفقه مرة أخرى؟!
السؤال الآخر والذي يتعلق بقضية الغناء؛ لا نكاد نعرف في زماننا غير نوعين من الغناء:
الأول: غناء "الفيديو كليب" الذي يشتكي منه أهل الغناء أنفسهم.
الثاني: "الأناشيد الإسلامية" المتداولة بين أبناء الصحوة.
وأما "أم كلثوم" التي كان الشيخ الغزالي يعتبر أغانيها مثالاً لما يمكن أن يباح من الغناء فقد ذهبت غير مأسوف عليها من الفريقين، أصبحت مملة لأصحاب الفريق الأول بينما هي بالنسبة لأبناء الصحوة لا سيما ذوي التوجه السلفي الذي يصر الشيخ أسامة أنه ما زال ينتمي إليه فيرون أنها صاحبة: "هل رأى الحب سكارى مثلنا"، وصاحبة أغنية: "إباحة القبلة"، وهي التي أفسدت جيلاً كاملاً حتى إذا بلغ الفساد المراد منها، تم الدفع بمن هن أكثر فسادًا، ولا ينفرد التيار السلفي بهذه الرؤية، بل يشاركه فيها كثيرون، وللشيخ كشك -رحمه الله- طائفة كبيرة من النقد الذي وجهه إلى المغنيات عمومًا، وإلى "أم كلثوم" خصوصًا.
(8) في النفس من العنوان شيء ولنا أن نتساءل: هل لو كان الشيخ الأزرق قد استبدل بعنوانه الرقيق عنوانـًا كهذا: "رسالة فقهية إلى الداعية أسامة حافظ" كان سيحمل على حسن الظن؟!
(9) هل لنا أن ننسج على منواله؛ فنقول:
"يا عم الشيخ أسامة أعد القراءة في هذا الموضوع بروح سلفية ودون أفكار مسبقة تحاول بها الاعتذار للغزالي أو غيره عن حدتك عليه في مرحلة الشباب، وسوف تصل -بإذن الله- إلى موقف وسط بين موقفيك القديم والحديث".
(10) في المقال الأخير: "الشيخ الغزالي مرة أخري" قدم لنا مثالاً واحدًا رأى فيه بعض العلماء أنه مردود لمخالفته الحس، ولمعارضته لإباحة لحم البقر، وهو حديث: "لحم البقر داء".
والجواب:
أولاً: نحن لم ننكر القاعدة وإنما بينا أن الغزالي يرد الأحاديث لمجرد رأيه وهواه، أو لأي شبهة تعارض دون أن يحاول الجمع كما هي مسالك علماء الأصول، ولا يعني تعسف الغزالي في استخدامها أن يخطئ في كل استخدام.
ثانيًا: لا يختلف اثنان على أن الحديث ظاهره معارض لأدلة الإباحة، ولكن قبل البحث في التعارض لا بد من البحث في الصحة، وقد تتبعنا كلام العلماء الذين سماهم الشيخ حافظ فوجدناهم ضعفوا الحديث سندًا ثم زادوا في أسباب ضعفه مخالفته لأدلة الإباحة فلا يصلح مثال على تلك القاعدة.
وأما من صح عنده فبحث عن الجمع ووجه الجمع عند حمل النهي على الإكثار من لحم البقر، وهو معدود عند أهل زماننا من الإعجاز العلمي في السنة حيث ثبت أن لحم البقر أشد من غيره بكثير في المسئولية عن داء "النقرس"، ولا نزاع بين العلماء في حل لحم البقر، فلا خلاف على حمل الحديث على الإكثار منه.
وبالتالي فقول الشيخ حافظ: "إن كل الأحاديث التي لم يقبلها الغزالي له في عدم الأخذ بها سلف من علمائنا عدا حديث أو حديثين انفرد بردهما ولم أعثر علي سلف له فيهما؛ لعله قصور في أدوات بحثي... هل ترون أن الأمر بعد ذلك يستحق كل تلك الحرب علي الشيخ؟!"، لا يغني شيئًا حتى يسمي لنا هؤلاء العلماء فيتبين لنا أنهم ردوا السنة كما ردها الغزالي، وبنفس منهجه؛ وإلا فقد يوجد من لا يبلغه دليل أو آخر، وفي النهاية كل يؤخذ من قوله ويترك.
بيد أن الشيخ أسامة حافظ اعترف أن الغزالي أقدم على ما أقدم عليه دون أن يعرف أن له سلفـًا وإلا لسماهم "مما يدل على جرأته على القول في الدين بلا سلف"، وأن الشيخ أسامة بحث له عن سلف في كل مسألة فحصل له في هذه المسائل على سلف كتمه عنا، بيد أنه أعيته الحيلة في حديث أو حديثين كنا نتمنى على الأقل ألا يضن علينا الشيخ أسامة بهما من باب الحذر من الشذوذ عن أقوال السلف، ومن أعجب ما في هذه الزوبعة قول الشيخ أسامة في نهاية هذا المقال: "هل ترون أن الأمر بعد ذلك يستحق كل تلك الحرب علي الشيخ"؟!
مع أن الشيخ الغزالي مات -عفا الله عنه- وكتابه مات هو الآخر -والحمد لله-، والضجة إنما أعادها جذعة الشيخ أسامة حافظ لا أحد غيره، ولكنه في النهاية يعتب على الجميع حتى فيما جنته يداه، وخطه قلمه.
وقد أثبت بهذا الصنيع بأنه تقمص شخصية الشيخ الغزالي إلى أبعد حد فقد كان الشيخ -عفا الله عنه- لا همَّ له إلا محاربة من أسماه التمسك بالقشور فكان هو أول واقع في ذلك، بينما كان معظم من ينتقدهم لا تمثل لهم تلك القضايا التي أرقت مضجعه إلا نزرًا يسيرًا من وقتهم وجهدهم.
(11) اقتصرنا على بيان عدم صحة تشخيص الشيخ أسامة حافظ لمنهج الغزالي، وأما الرد على كتاب الغزالي فتصدى له بعض أهل العلم في كتابات أجودها: "المعيار لعلم الغزالي في كتابه السنة النبوية" للشيخ "صالح آل الشيخ".
ومن عجيب الأمر أن الأستاذ "جمال سلطان" والذي تتولى جريدته المصريون نشر مقالات الشيخ أسامة له كتاب متين في الرد على الغزالي بعنوان: "أزمة الحوار الديني" فلا ندري هل إفساحه المجال لمقالات الشيخ أسامة حافظ من باب الرأي والرأي الآخر؟! أم أنه هو الآخر قد اكتشف أنه كان من أنصاف المتعلمين يوم أن كان رده على كتاب الغزالي من أعنف الردود؟!