شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العقلانييون يرفضون الأصيل ويقبلون الدخيل

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وأما الثانية: فقاعدة عامة مأخوذة من عدة قواعد تفيد بأن الله تعبدنا بالظن الراجح عند غياب اليقين، ومن هاتين القاعدتين استنبط علماء الحديث قواعد قبول الحديث، أي التسليم بصحة نسبته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- .

فكانت شروط قبول الحديث عندهم:

1- عدل الرواة.

2- ضبط الرواة.

3- اتصال السند.

4- السلامة من الشذوذ.

5- السلامة من العلة.

والشرطان الأخيران فيهما مراعاة بأن خبر الواحد -"أي الخبر الذي لم يبلغ عدد رواته وصفاتهم مبلغـًا يستحيل معه الخطأ عليهم عمدًا ولا خطأ"-، مبني على غلبة الظن بصدق وضبط المسلم العدل، وأنه لإعمال غلبة الظن ينبغي ألا تعارض ما هو أرجح منها، كمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو رواية الثقة ما يصادم صريح القرآن أو يخالف القطعيات العقلية.

ومن هذا العرض الموجز نخلص إلى النتائج التالية:

1- المحدثون أصحاب نتاج عقلي من أعظم النتاج العقلي -إن لم يكن الأعظم على الإطلاق في علوم الإسلام-، وهذا ينفي تهمة مخاصمتهم للعقل التي يحاول خصومهم دائمًا أن يلصقوها بهم.

2- أن المحدثين احتاطوا لوهم الرواة واستخدموا العقل كأحد مصادر ضبط هذا الوهم، ولكن قيدوا ذلك بالقطعيات العقلية لا الأوهام والظنون، وهذا أمر في غاية الأهمية كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-.

وإذا اكتفينا بذلك العرض الموجز لدور العقل في الإسلام لنعود إلى حال المرجعيات الثلاث "الوحي - الفلسفة - التجريب"، لنجد معارك ثنائية بين كل اثنين من هذه انتهت بما يلي (3) :

- هزيمة الفلسفة هزيمة ساحقة أما العلم التجريبي.

- هزيمة اليهودية والنصرانية أمام العلم التجريبي.

- تعقيد العلاقة بين الفلسفة وبين النصرانية بحيث استخدمت المجامع الكنسية الفلسفة في إعادة صياغة عقائدها الرئيسية -"الخطيئة والفداء والصلب"-؛ إلا أنها حظرت تداول أي فلسفات أخرى، وهذا يعني أنه بالنسبة للغرب فقد تم إحالة كتب الفلسفة إلى متحف التاريخ.

وأما بالنسبة للإسلام فكان الإسلام بلا فلسفة وبلا علم تجريبي أيضًا، ثم إن المسلمين قد أخذوا العلوم التجريبية لغيرهم فنقحوها، وخطوا بها خطوات كانت هي التي أسست للنهضة العلمية الحديثة؛ مما أغرى "المأمون" أن يطلب ترجمة العلوم الفلسفية هي الأخرى عساه يجد فيها جديدًا يقدمه للمسلمين، وطلبها من إمبراطور الروم الذي ضنَّ بها أولاً عليه لولا "عجوز خبير" بما في الفلسفة من فساد؛ فقال قولته المشهورة: "أعطها لهم فإن هذه العلوم لم تدخل على قوم إلا وأفسدتهم"، وقد كان!!

لا سيما وأن التجربة كانت مسبوقة بمحاولات غزو من الفلسفات الشرقية القديمة على يد طائفة "السمنية"، وغيرهم... وخاض بعض المشتغلين بهذه الكتب الترجمة في خرصهم بالغيب فيما يتعلق بوجود الله، وذاته، وصفاته، وقضائه وقدره، وغاب عن هؤلاء قول القائل: "العقل كالدابة توصلك إلى السلطان ولكن لا تدخل بها عليه".

فخاضوا بعقولهم فيما لا تدركه الحواس، ومن ثمَّ لا يدركه العقل، وكوَّنوا تصورات وأوهام ظنوها من كثرة مطالعتهم لها -لانقطاعهم عن مدارسة الوحي- أنها قطعيات عقلية!!

ثم عرضوها على أهل الإسلام فرحين بها مستبشرين بما فيها من "حكمة" مزعومة فانبرى لهم أهل العلم يبينون لهم أن ما هم عليه ما هو إلا عدول عن النور إلى الظلمات، قائلين لهم: " أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ".

ولكن هيهات... قد صار هؤلاء عند أنفسهم رؤوسًا وأبت عليهم أنفسهم أن يعيدوا دفن نفايات عقول الرومان حيث كان الغرب يدفنها؛ فقادهم شيطانهم إلى أن ينتحلوا قاعدة المحدثين في رد حديث الآحاد إذا خالف القطعيات العقلية في رد كل حجة ترد على "دينهم الجديد"، مع أن الذي أتوا به لا يعدو أن يكون أوهامًا (4) .

ولما وجد هؤلاء أن تكلف إجابة لكل نص يخالف منهجهم من المشقة بمكان فقد ابتدعوا أصلاً فاسدًا بالاقتصار على القرآن فيما عرف ببدعة القرآنيين الذين أخبر عنهم -صلى الله عليه وسلم- قبل ظهورهم (5) .

ومقصود هؤلاء هو التخلص من سلطان النصوص لإفساح المجال لسلطان الفلسفة، ولكن لما لم يكن لهم في القرآن حيلة اقتصروا في شأنه على التأويل الذي بلغ في بعض الأحيان درجة من التعسف تمثل ردًا صريحًا للقرآن، وأما السنة فخرجوا منها بهذه الحيلة مدعين أن المحدثين أنفسهم قد سلموا بعدم الثقة في نسبة السنة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما تكلموا عن الشذوذ والعلة.

ويلاحظ على طائفة القرآنيين ما يلي:

1- أنهم يصلون ويصومون، ويؤدون سائر شعائر الدين وفق أحاديث آحاد! وذلك مما يبين أن قضية تشككهم في ثبوت السنة ما هو إلا إجراء وقائي للحفاظ على الفلسفة التي استوردوها.

2- أنهم يحتجون على مذاهبهم ليس فقط بأحاديث آحاد، بل بأحاديث آحاد ضعيفة، بل موضوعة كما تحتج المعتزلة على فضل العقل بأحاديث موضوعة.

3- ما أشبة فعل هؤلاء بمن ضحَّى بابنه من أجل إنقاذ ابن عدوه، كل هذا في قالب عقلي خلاب كما جاءت قريش تزعم لأبي طالب أنهم قد حلوا له مشكلة النزاع بين وفائه لدين آبائه ومحبته لمحمد -صلى الله عليه وسلم- بأن يسلمهم إياه على أن يعطوه بدلاً منه غلامًا نجيبًا! فقال قولته الشهيرة: "أعطيكم ابني تذبحونه وتعطونني ابنكم أغذيه لكم!!".

وليت عقول القرآنيين ومن دار في فلكهم بلغت شيئًا مما بلغه عقل أبي طالب!!

5- ومما سبق يتبن أن القرآنيين، بل كل العقلانيين المنتسبين للإسلام ليسوا في حالة خصومة مع "النص" من حيث المبدأ، وإن كانوا يحاولون إزاحته فيما يتعارض مع ما اقتبسوه من الفلسفة؛ هذا بخلاف من انتسب إلى الفلسفة من المسلمين فإن عامتهم خاصم النص، بل وخاصم الوحي كما بينه أبو حامد الغزالي في "تهافت الفلاسفة".

وممن يعتبر في خصومة مع الوحي بعض العلمانيين في زماننا ممن يطالبون –صراحة- بإعلاء سلطان العقل على القرآن ذاته زاعمين أن تشريعات القرآن خاصة بزمانها وبيئتها كـ"نصر حامد أبو زيد".

6- قام علماء الإسلام بالرد المفحم على القرآنيين مما دفع معظمهم إلى تخفيف حدة بدعتهم إلى أقوال الجامع المشترك بينها تقليص سلطة النص -"لا سيما نصوص السنة؛ لأنها تفصيلية"- لصالح سلطة العقل الفسلفي.

فنشأ القول:

الصفحة السابقة الصفحة التالية