العقلانييون يرفضون الأصيل ويقبلون الدخيل
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
- بعدم حجية سنة الآحاد في العقائد والأحكام، والاقتصار على السنة المتواترة والقرآن.
- وبالاقتصار على المتواتر في باب العقائد مع الإقرار بحجية الآحاد في الأحكام وهو القول الذي ملأ الآفاق برغم مخالفته للكتاب والسنة وهدي السلف، ووافقه هؤلاء الذين يعملون بهذه الأحاديث في غير ما يخالف أصولهم الفلسفية على اضطرابهم فيها.
ومنهم من لم يؤصل لشيء من ذلك، ولكن دلف من قواعد المحدثين في رد حديث الآحاد إذا خالف أيًا مما يأتي:
1- القرآن.
2- السنة الأثبت لا سيما إذا كانت متواترة.
3- العقل.
ورغم أن هذه القواعد متفق عليها من حيث المبدأ إلا أن القوم تركوا تطبيق المحدثين والفقهاء الذين وضعوا هذه القواعد ليردوا من السنة ما خالف أهواءهم بزعم مخالفته للقرآن مع عدم وجود هذه المخالفة، بل مع وجود الحكم ضمنـًا أو صراحة في القرآن فيزعمون أنهم ردوا الحكم من السنة لمخالفته القرآن.
كما يصورون خلافـًا وهميًا بين نصوص السنة وبين بعضها البعض؛ بالإضافة إلى زعم مخالفة العقل، وهو من أوسع شبهاتهم.
ومما ساعد على انتشار هذه الشبهات أن أهل السنة اكتفوا في الأعم الأغلب باستثناء أحوال نادرة برد هؤلاء بلزوم التسليم للسنة دون الخوض معهم في جدال عقلي؛ بينما يتمسك هؤلاء بتشككهم في نسبة هذه السنة إلى الشرع؛ لمخالفتها للقطعيات العقلية (6) !
والتقت هذه البدع مع وجود تيار زندقة كان غرضه من ادعاء التناقض ما هو أبعد من تمرير فكرة دخيلة، بل أرادوا هدم الدين كله.
كما أخطأ بعض الفقهاء فوسموا بعض الأحكام بأنها على خلاف القياس فغذوا هذا الاتجاه دون أن يدروا!!
حتى جاء شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فوجد أن واجب الوقت يحتم عليه بعد إذ أصبح لهؤلاء صولة وجولة أن يفند شبهاتهم حتى العقلي منها فوضع موضوع: "درء تعارض العقل والنقل" على رأس قائمة أولوياته، ولا يكاد يخلو مصنف من مصنفاته من هذا الموضوع فضلاً عن سِفره العظيم الذي يحمل هذا العنوان (7) .
وقد بنى ابن تيمية مواجهته لهؤلاء على قاعدتين رئيسيتين:
الأولى: أن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح، ومن هذا الباب ما سبق أن ذكرناه أن العلماء يضعفون الحديث الذي يناقض العقل القطعي.
ومن الأمثلة التي ظنوا أنها مخالفة للعقل قول المعرى:
يد بخمس مئين من عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
تـناقـض ما لنا إلا السكوت عـنه ونـشكو إلى مولانا شدة العـار
فنقل العلامة ابن القيم في كتابه القيم "إعلام الموقعين" (8) ردود العلماء عليه:
فمنهم من قال:
يـد بخمس مـئين من عسجد وديت ولكنها قطعت في ربع دينار
هناك مظلومة غالت بقيمتها وهاهنا ظلمت فهانت عـلى الباري
وأجابه بعضهم نثرًا:
"لما كانت أمينة كانت ثمنيه فلما خانت هانت".
وهذا ما يدل على أن التسرع بنسبة حكم شرعي إلى مناقضة حكم شرعي آخر أو إلى مناقضة العقل لا يطلق لآحاد الناس.
الثانية: والتي لابد منها حتى لا تتحول الأولى إلى تكأة يرُد بها كل صاحب هوى ما لا يتماشى مع هواه؛ أنهم لابد وأن يدركوا أن العقل يأتي بـ"محارات العقول ولا يأتي بمحالاتها"، ومن أمثلة ذلك، حديث: "الذبابة"، فالعقل لا يحيل خلق دواء في الذباب، ولكن يحار في أين هو هذا الدواء ولو أخبره به أحد من البشر لرده من باب عدم وجود شواهد عليه، ولكن إذا أخبر به الشرع لوجب التسليم به، ولا يتشكك في نسبته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لمجرد الاستغراب، ولكن عامة هؤلاء العقلانيين قد عكس المسالة فكذبوا بالحديث إلى أن أثبتته المعامل مع أن هذا الحديث كان أحد الأحاديث التي فتحت للمسلمين قديمًا مجالاً ليتقدموا في علم الصيدلة، وليتوجهوا إلى استخلاص أمصال من الكائنات الحية حتى الضار منها، وما زال ابن تيمية وأبناء مدرسته يواجهون هذه البدعة حتى دحرها الله.
بينما أعاد البعض في زماننا تطبيق نفس المنهج، ولكن مع موضوع مختلف وهو التلفيق بين الإسلام وبين مبادئ الحضارة الأوروبية المعاصرة مما عرف بـ"المدرسة العقلانية الجديدة"، والتي سوف نتناولها في مرة قادمة -بإذن الله-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) ينبغي أن يُلاحظ هنا أننا نعني كل من اتبع رسولاً من حيث الجملة، وإلا فبعد بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن التسليم لأحد بأنه من أتباع الرسل ما لم يؤمن به -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الكفر بنبي واحد كالكفر بجميع الأنبياء، فكيف بخاتمهم -صلى الله عليه وسلم-؟! قال -تعالى- عن قوم نوح: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ) (الشعراء:105) ، فجعل تكذيبهم لنوح -عليه السلام- تكذيب للأنبياء جميعًا.
(2) أشرنا آنفـًا إلى تحريف الكتب السابقة الذي كان أحد مظاهره مخالفتها للمحسوس فلا حاجة لذكر أمثلة منها.
(3) ينبغي أن نأخذ في الاعتبار هنا التداخل الزمني بين فصول كثير من هذه المعارك.
(4) من القطعيات العقلية عند الخوارج والمرجئة زعمهم: "أن الشيء المركب من أبعاض إذا انتفى بعضه انتفى كله"، وقد بيَّن ابن تيمية فسادها شرعًا وعقلاً في "كتاب الإيمان"، ومن القطعيات العقلية عن نفاة الصفات أن إثبات الصفات لله يقتضي المشابهة، وقد بين ابن تيمية فسادها شرعًا وعقلاً في "التدمرية".
ومن القطعيات العقلية عند كل من القدرية والجبرية استحالة أن يكون الفعل بإرادة العبد وإرادة الرب في آن واحد، فعندهم إثبات أحدهما يستلزم نفي الآخر، وقد رده ابن تيمية في "التدمرية".