شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التعليق على مقال الفهم الصحيح للختان

الشيخ ياسر برهامي • المرأة والأسرة

يقول شيخ الإسلام: "والمقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمةً شديدة الشهوة؛ ولهذا يقال في المشاتمة: يا ابن القلفاء؛ فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر؛ ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر، ونساء الإفرنج، ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصل المبالغة في الختان، ضعُفت الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة، حصل المقصود باعتدال"؛ انتهى كلامه .

ما من نص صحيح إلا وهو موافق للعقل: قال ابن قيم الجوزية: "قال شيخنا: والكلام على هذا الحديث من أدق الأمور، فإن كان ثابتًا فهذا الذي يظهر في توجيهه، وأن لم يكن ثابتًا، فلا يحتاج إلى الكلام عليه.

قال: وما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة، قال: وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياسًا صحيحًا يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصحيح لا يخالف المنقولَ الصحيح؛ بل متى رأيت قياسًا يخالف أثرًا، فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده، مما يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء، فضلاً عمن هو دونهم، فإن إدراك الصفة المؤثِّرة في الأحكام على وجهها، ومعرفة المعاني التي علقت بها الأحكام من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم، فلهذا صارت أقيسة كثير من العلماء تجيء مخالفة للنصوص؛ لخفاء القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام"؛ انتهى .

وجعل ابن القيم الدورانَ مع الحديث حيث دار هو المنهجَ المرتضى، الذي لا يُلتفت إلى قول عالم من العلماء إذا خالف قولُه الحديثَ، يقول ابن القيم: "الذي ندين الله به، ولا يسعنا غيره، وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذُ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا مَن كان، لا راويه، ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديثَ، أو لا يحضره وقتَ الفُتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلاً مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يكون معارضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه؛ لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفتُه لما رواه سقوطَ عدالته، حتى تغلب سيئاتُه حسناتِه، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك".

نعود إلى كلام شيخ الإسلام -رحمه الله-، الناظر إلى كلام شيخ الإسلام يجد الآتي: أن القلفة عند المرأة إذا تُركت فهي سبب الفواحش والسفور، وهذا تحليل يرجع إلى ملاحظة من أرض الواقع في ذلك الوقت.

أقول: إن هذا التحليل غير صحيح من عدة وجوه:

أولاً: واقعنا اليوم برهَنَ على خطأ ذلك التحليل؛ بمعنى أن معظم نساء المسلمين اليوم في الخليج، والمغرب العربي، وأندونيسيا، وغيرها هن غير مختونات كنساء الإفرنج، ومع ذلك نرى الفارق الشاسع بينهن في الأخلاق مع قريناتهن من الإفرنج، وفرقًا شاسعًا أيضًا بينهن وبين نساء السابقين في الأخلاق، فهل القاسم المشترك -كما يقول شيخنا- هو القلفة، أو الدين والعرف والأخلاق؟

ثانيًا: أقول: إن ما قاله شيخنا ابن تيمية في هذه الملاحظة كان مقنعًا للكثير آنذاك إلى حد ما؛ لذلك فقد وافقوه الرأي؛ لأن ذلك ما رأَوه، وربما لو كنا نعيش في ذلك الزمان لرأينا مثل ما رأوه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (المجلد الثالث والثلاثون، صفحة رقم: 90) وهو يشرح الخلاف بين السلف والخلف في الطلاق: ما زال ابن عمر وغيره يروون أحاديثَ ولا تأخذ العلماء بما فهموه منها؛ فإن الاعتبار بما رووه، لا ما رأوه وفهموه، وقد ترك جمهور العلماء قول ابن عمر الذي فسر به قوله: (فاقدروا له)، وترك مالك وأبو حنيفة وغيرهما تفسيرَه لحديث: (البيِّعان بالخيار)، مع أن قوله هو ظاهر الحديث، وترك جمهورُ العلماء تفسيرَه لقوله: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة:223) ، وقوله: نزلت هذه الآية في كذا.

وكذلك إذا خالف الراوي ما رواه، كما ترك الأئمة الأربعة وغيرهم قول ابن عباس: "إن بيع الأمَة طلاقها"، مع أنه روى حديث بريرة، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- خيَّرها بعد أن بِيعتْ وعُتقت، فإن الاعتبار بما روَوه، لا ما رأوه وفهموه". انتهى كلامه -رحمه الله- .

فإذا كان هذا حال السلف مع صحابة رسول الله، فأرجو أن يكون هذا حالكم مع السلف إذا رأيتم صحة كلامي، إن الاعتبار بما رووه (أحظى لإناثكن)، لا ما رأوه وفهموه "شديدة الشهوة".

ثالثًا: الناظر إلى واقع اليوم، فإن نساء الإفرنج انقسمن أنفسهن إلى قسمين: مختونات، وغير مختونات، ومع ذلك فإن الطباع هي نفسها، إلا مَن أسلمت منهن، ترى التغيير الفوري في أخلاقها.

وأيضًا -كما أسلفت- إن النساء المسلمات انقسمن إلى قسمين، ومع ذلك الطباع هي الطباع لم يحصل تغيير؛ بل ربما في البلاد التي يوجد فيها الختان تجد الفواحش إذا قلَّ الوازع الديني.

إذًا؛ الدين هو القاسم المشترك.

رابعًا: يشرح الشيخ محمد عبد المقصود كلام ابن تيمية في فتوى عن الختان، فيقول ما معناه: "إن المرأة لو كانت قلفاء، تكون دائمًا تريد زوجها، وهذا يكون مرهقًا للزوج، فلا يحصل المقصود؛ لذلك كان الختان لتعديل الشهوة عند المرأة" انتهى كلامه ، وهذا ما يقول به كثير من شيوخنا المعاصرين.

نرجع للأحاديث مرة أخرى، فإن الاعتبار بما رووه، لا ما رأوه وفهموه.

يقول ابن عمر -رضي الله عنهما-: دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على نسوة من الأنصار، فقال يا نساء الأنصار، اختضبن عمسًا، واختفضن ولا تنهكن؛ فإنه أحظى لإناثكن عند أزواجهن؛ رواه البيهقي، وفي الحديث الآخر: (لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وكأنه -صلى الله عليه وسلم- يبشرهن بخبرٍ سار.

الصفحة السابقة الصفحة التالية