حوار موقع صوت السلف مع الشيخ عصام حسنين
صوت السلف • حوارات
- ولنضرب مثلاً ذكره الله -تعالى- في سورة الممتحنة يوضح هذه العقيدة بجلاء، بعدل وقسط وبوسطية بعيدًا عن الإفراط أو التفريط؛ فلقد بدأ -تعالى- السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ . إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ . لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ... ) (الممتحنة:1-4) .
والمودة من معاني الموالاة، ثم بغَّض الكفار إلى المؤمنين بقوله: ( عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ) و( وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ) و( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ).
ثم بيَّن حقيقة الصراع بين الكفر والإيمان ( أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ )، فالجريمة -في نظر الكفار- التي ارتكبها المؤمنون إيمانهم بالله -عز وجل- ربهم، ثم حذر -تعالى- المؤمنين من موالاة الكفار بقوله: ( وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ).
ثم يبغضهم -تعالى- إلى المؤمنين أيضًا ويحضهم على التبرؤ منهم بقوله: ( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون َ)، ثم ضرب الأسوة الحسنة للمؤمنين بقوله: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ... )، فهذه هي الغاية: ( حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ).
وحذر الله -تعالى- من التولي والإعراض عن هذه العقيدة، وأن من تولى فسيستبدل الله خيرًا منه: ( وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (الممتحنة:6).
وبيَّن الله -تعالى- أن هذه المعاداة مستمرة حتى يؤمنوا بالله وحده، وإن فعلوا جعل الله بينكم وبينهم مودة، فالبغض يعود محبة، والبراء يعود موالاة إذا آمنوا.
- ثم بيَّن الله -تعالى- أن هذا البراء ليس معناه الظلم أو العدوان، وإنما نعاملهم بالبر والإقساط طالما لم يقاتلونا أو يخرجونا أو يظاهروا على إخراجنا: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) ، أما إن كانوا بغير هذا الوصف فقد نهانا -تعالى- عن موالاتهم، وقال: ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (الممتحنة:9) .
- هكذا تعرض القضية كما بينها ربنا -تعالى- وينبغي تأصيل قضايا الاعتقاد والكلام عن محاسن شريعة الإسلام، وتعميق الإيمان بالله واليوم الآخر، خاصة في نفوس الناشئة والشباب، والله -تعالى- أعلم.
صوت السلف: يقتصر بعض الدعاة في هذه الأيام على طرح المعاني الوعظية فهل هذا يكفي مراعاة لكون الشهر شهر عبادة وصوم؟ أم أن الأولى استغلال الشهر في تعليم الناس القضايا الأساسية التي تغيب عنهم؟ ولو كان الأمر كذلك فما هي هذه القضايا؟
عصام حسنين: الداعي ينطلق في دعوته من شمولية شريعة رب العالمين، ويأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، وينهى عن المنكر إذا ظهر ارتكابه، ويحض الناس على طاعة الله -تعالى- ويحذرهم من معصيته، ويؤصل في نفوسهم قضايا الاعتقاد وأصول الإيمان، وبالجملة يدعو إلى دين الله -تعالى- بحسب واقعه ومكانه، وأن يراعي طبقات المدعوين وأن تشتمل موعظته أو خطبته أو كلمته على أصول الدعوة الثلاثة: التوحيد والاتباع، والتزكية.
ولابد من معالجة الواقع، ومتابعة الأحداث؛ لأن المكر إذا ظهر ولم ينكر أضر العامة، ولكل ساقطة لاقطة، ولابد من الكلام عما يغفله كثير من المسلمين حتى يعلم الجميع أن شريعة الله -تعالى- صالحة لكل زمان ومكان، وشاملة كاملة لا نقص فيها، لا كما يردد العلمانيون الزنادقة على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات، وأنهم يجب أن يعيشوا بشريعة أرحم الراحمين، وأن يتحاكموا بها وإليها.
- وهنا مكمن الخطورة أن الكلام والتركيز على بعض قضايا الوعظ يظهر الدين بصورة العاجز عن معالجة قضايا الحياة، أو أن الشريعة غير صالحة، ونساعد بذلك على اللمز في شريعة الله -تعالى-، وما كان يعاب على شيوخ الأوقاف وما تابع ذلك من انصراف الناس عنهم صار عيبًا فينا -نعوذ بالله من ذلك-.