شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رفع صوت الإسلام والمنزلة ما بعد الأخيرة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

4- أما الميكروفونات التي تستعمل في استوديوهات القنوات المشبوهة التي تريد أن تطمس هوية الأمة فهي أسوأ أنواع الميكروفونات وأشدها خطرًا، وأولاها بالتحريم!

وأما كون أن هذه مأخوذة عن الكفار فالأستاذ لم يفرق بين الأفكار والمخترعات المادية فظن أن على الإسلاميين الذين يعتبرون كل شيء غزو فكري تنصيري أن يعطوا الميكروفونات نفس حكمها ، وفي الواقع أن الأمر يختلف فالاختراعات تنفك عن مخترعها وعن مصنعها، ويبقى حكمها وفقـًا للاستعمال كما بينا، وقد حفر النبي -صلى الله عليه وسلم- الخندق، وهي وسيلة فارسية.

وحتى الأفكار والنتاج الفكري فلا بأس بالاقتباس منه شريطة أن يتم تنقيحه تمامًا ليُصفى من شوائب النجس الاعتقادي لدى أصحابه؛ سواء من الناسبين إلى الله الصاحبة والولد أو من الملحدين الذين لا يؤمنون بوجود الله.

وقد ورثت أمة الإسلام علوم الدنيا يوم ورثتها وهي علوم بدائية خطؤها أكثر من صوابها فاستوت على سوقها على أيدي العلماء التجريبيين المسلمين حتى جاء الغرب فانتحل هذه العلوم، وهذا أمر لا يتسع له المقام هنا.

وأما ما أومأ إليه صاحب البرنامج بأن الميكروفونات شغلت أصحابها عن منافسة الغرب فهو أول من يعلم أن أئمة المساجد ليسوا هم المسؤلون عن التعليم والإعلام، والبحث العلمي، ومع هذا فقد قاموا بما يسعهم من ذلك، وبغض النظر عن مسجد شارعه الذي تركه أهل الشارع للبوابين -على حد زعمه-؛ فمساجد الصحوة تكاد تسمى بمساجد الجامعيين مع أن البسطاء يجدون فيها أيضًا ما يتعلمونه وما يقدمونه لخدمة الدين؛ ولو بالدعاء الصادق لأبنائهم وإخوانهم الذين يؤذنون ويؤمون الناس في الصلاة بأصوات ندية -بحمد الله-، ويقومون بتعليمهم الدين، وتحصينهم من الأفكار الوافدة.

ومن ثمَّ عَرفت المساجد عن طريق هؤلاء "استخدام التكنولوجيا ولو سنحت الفرصة لكانوا من مطوريها"، وحبذا لو كلف الأستاذ خاطره وجاء ليصلي قيام رمضان في مسجد "القائد إبراهيم" في الإسكندرية؛ ليرى كيف يصل الصوت الندي للقارئ ومكبرات الصوت "الإيطالية"، و"اليابانية"، أو "الكورية" على أقل تقدير تمتد كلما امتد المصلون، ويتم ضبطها بأيدي شباب متطوع هاوٍ أتقن ضبط هذه الماكينات؛ لتنقل القرآن للناس.

وأزيده من الشعر أبياتـًا -"وأرجو ألا أكون بذلك أعطيه لحلقاته أفكارًا"-: أخشى يا هذا أنك إن تجولت في المساجد فوجدت معظمها مكيف الهواء؛ لتذلل للناس سبل أداء عبادتهم أن تكتشف أن مكيفات المساجد دون غيرها من المكيفات التي في الدنيا هي المسئولة عن ثقب الأوزون!!

وأما كون أن الأذان كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا مكبر، فهل كان المكبر على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فتركه؟! لو كان كذلك لكان بدعة بلا خلاف، وأما إذ استحدث بعده فالكلام فيه هو ما قدمناه.

ولزيادة توضيح هذا الأمر نقول: إن الأذان عبادة غرضها الإعلام، ومن ثمَّ فلابد وأن تكون من مكلف، وفي ذات الوقت لا بد من الحرص على أن يبلغ الإعلام فيها مداه؛ ولهذا حرص المسلمون على أن يكون الأذان مسموعًا على أوسع نطاق من خلال اختيار المؤذن الذي يجمع بين حسن الصوت وقوته، ومن خلال الأذان من على أسطح البيوت العالية كما كان بلال -رضي الله عنه- يؤذن من على أعلى سطح بيت في المدينة، والذي استبدله المسلمون لما تطورت فنون العمارة عندهم ببناء المآذن العالية.

وهو أمر لا يفي بالغرض مع تطور العمران وارتفاع الأبنية، ووقوفها حائلاً أمام انتشار الصوت، لا سيما وأن أعلى بنائين في القاهرة مرفوع عليهما صليب "ساويرس" (1) ! الذي بثَّ من إحدى قنواته "صوت إبراهيم عيسى"، ومع ذلك فلم ولن ير في رفع شعار ديني صريح على رأس مبنى مدني أي استفزاز لمشاعر الأغلبية المسلمة بينما نسب فيما افترض من إجابات من الممكن أن تسمعها من المتطرفين في تعليل أذانهم في "الميكروفون"، أنهم سيقولون: "أمال حنغيظ الأقباط إزاي"! -لاحظ استخدامه لكلمة الأقباط التي تعني سكان مصر، وهي التسمية التي يحرص إعلام ساويرس على نشرها من باب أنهم أصحاب البلد الأصليين-.

ومن هنا تعرف أن إبراهيم عيسى كان نائبًا عن ساويرس في التعبير عن حالة الغيظ التي أتى بها على لسان محاور افتراضي، ولو أنصف لافتتح برنامجه بالكلمة الإعلامية الشهيرة: "جاءنا نحن العاملين بقناة الملياردير القبطي المصري نجيب ساويرس أن أذان الغزاة العرب يزعج سيادته تمامًا، كما يزعجه ويرعبه منظر المحجبات في الشارع، ويشعر بالغربة في وطنه حين يَراهُن، ونحن العاملين بالقناة بدورنا -وإن كنا مسلمين- فإننا نؤيد سيادته تمامًا فيما قال، وننزعج لانزعاجه أيما انزعاج... "!!

إذن فإبراهيم عيسى جاء بعد الأستاذ بطرس؛ لأنه لا بد وأن يكون في خانة واحدة مع ساويرس، ولكن لماذا لم يكن الأستاذ بطرس هو الآخر مع ساويرس من باب الولاء الديني؟!

فلعله أن يكون من هؤلاء النصارى الذين لديهم عقل يدركون به أن لعبة ساويرس لعبة نارية سيكون لاعبوها هم أول المحترقين بها، أو ممن ما زال لديهم تذكر للتاريخ الماضي حيث كانت الكنيسة الغربية تذيقهم من العذاب ألوانـًا حتى أشرقت مصر بالفتح الإسلامي؛ فدخت الجمهرة الكبيرة من أهل مصر في دين الله أفواجًا، ومن بقي منهم على دينه قيل له: "لا إكراه في الدين"، وهي كلمة لم تعرفها الكنيستان: الشرقية والغربية في حربهما اللاهوتية، والتي دفع أبناؤهما ثمنـًا فادحًا من دمائهم لقضية يعترف الطرفان فيهما أنه ليس مع أي منهما أثارة من وحي ولا علم، وإنما هي مسألة رأى فيها رجلان رأيين مختلفين فاتبع كل رجل شيعته، وجَرَت أنهار الدم التي لم يوقفها في مصر إلا الفتح الإسلامي.

وفي نهاية مناقشته للقضية لم يَفت الكاتب الكبير أن يقوم بحركة من إياهم؛ فأخرج ميكروفون صغير يعمل بالبطارية؛ ليهتف فيه بسقوط الميكروفونات!

الصفحة السابقة الصفحة التالية