شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحالة العرقية والسياسية والدينية في مصر قبل الفتح الإسلامي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • السيرة والتاريخ

فلو سلمنا جدلاً أن مذهبًا دينيًا ما وليكن هو المذهب الأرثوذكسي كان هو السائد في مصر؛ فلا يوجد إلا احتمال وحيد لتحوله إلى أقلية، وهو تحول معظم أبنائه إلى الإسلام، وإذا كان من الثابت تاريخيًا عدم استخدام القوة لإجبار أحد على الدخول في الإسلام، بل عدم وجود حرب بين المسلمين والقبط أصلاً؛ دل هذا على أن التحول كان اختياريًا، كما تحول النوبيون والأعراب إلى الإسلام اختياريًا، وإن كان التحول في هذين الفريقين بنسبة مائة بالمائة، وفي الأقباط كان بنسبة كبيرة، ولكنها دون ذلك.

بيد أن التصور الأدق هو أن النصرانية كانت ديانة تتقاسم هي والوثنية الانتشار في مصر، وفي ذات الوقت كانت مذاهب النصرانية المختلفة تتقاسم الانتشار فيما بينها، وأن معظم هؤلاء دخلوا في الإسلام، وبقيت أقلية من كل فريق مثل: الأرثوذكس غالبيتها؛ فصاروا أكبر أقلية دينية في مصر.

وتفصيل ذلك تاريخيًا: أن بداية دخول النصرانية في مصر كان على يد "مرقس" صاحب الإنجيل المشهور سنة 51م، وإذا تـَجَوَّزنا غاية التجوز، فاعتبرنا كل هذه المدة حتى الفتح الإسلامي فترة نصرانية -"وهو تـَجَوُّز يأباه التاريخ"-؛ لوجدنا أن عمر الفترة النصرانية من تاريخ مصر هو: 600 سنة، لا يمكن أن تقاس من حيث الطول، ولا من حيث الإسهام الحضاري في العالم بـ 1400 عام، هي فترة العصر الإسلامي في مصر، بيد أن هذه الفترة لا تكاد تصفو على الربع أو ما دونه إذا ما أخذنا في الاعتبار الفترة التي كانت النصرانية فيها تمثل دين الأغلبية في مصر حيث ظلت الوثنية هي الدين السائد في مصر حتى مجمع "نيقية" سنة 325م.

وقصة هذا المجمع أن النصرانية قد دخلت إلى مصر عن طريق "مرقس" أحد دعاة نصرانية بولس، والذي وضع بذور الغلو في عيسى -عليه السلام- في رسائله، ثم ضمنها مرقس أيضًا في إنجيله، وجاء "أفلوطين" فأكمل بناءها الفلسفي متأثرًا: بالفلسفة اليونانية، والمصرية، والهندية، ثم جاء شماس -"وهي أدني رتبة دينية عند النصارى"-، يُدعى "أثناسيوس" فأكمل صياغتها اللاهوتية -"ترى الكنيسة الغربية أن أثناسيوس كان عالة على الأسقف الجزائري أوغسطين، بينما ترى الكنيسة الشرقية العكس"-.

وكان "مذهب الموحدين" أكثر رواجًا في بلاد الشام، حتى أظهر أسقف مصري يسمى: "أريوس" انتصاره لعقيدة التوحيد؛ فقام "أثناسيوس" برفع شكوى إلى الإمبراطور "قسطنطين"، ورضوه حكمًا بينهم وبين "آريوس" وأتباعه، رغم أن "قسطنطين" كان وثنيًا قبيل انعقاد مجمع "نيقية"؛ فلما وجد التوافق بين مذهب "أثناسيوس" وبين عقائده الوثنية انحاز إليه ونصره على "أريوس"، ثم أصدر بعدها مرسومًا في عام 331 ينهي فيه الحظر الذي كان مفروضًا على دخول الوثنيين إلى النصرانية، ثم تنصر، وفرض هذا المذهب على الإمبراطورية ككل.

فجرَت عملية تحويل للوثنيين في مصر من أصول قبطية ويونانية إلى دين النصارى قسرًا، وعلى الرغم من أن دين النصارى المحرف أقل كفرًا من دين الوثنيين إلا أن الجذور الوثنية الواضحة في هذا الدين لا سيما "الثالوث" المستفاد شكلاً وموضوعًا من الديانة المصرية القديمة؛ لم يشجع الكثيرين من الوثنيين على ترك دين آبائهم إلى دين مقتبس منه، بالإضافة إلى أن القسوة المفرطة التي تعامل بها النصارى مع الوثنيين فور حصولهم على دعم الإمبراطور؛ نفـَّر الوثنيين منهم تنفيرًا بالغـًا.

ومع ذلك فلا يمكن اعتبار كل هذه الفترة فترة سيطرة لدين النصرانية بشكلها الحالي؛ حيث تقاسمت ديانات: ثلاث، أو خمس -إن أردنا الدقة- السيطرة والنفوذ:

الأول: دين النصارى الموحِّدين أتباع "آريوس"، والذين ظلت لهم كنيسة رغم رفض مجمع "نيقية" لعقيدتهم.

ومن الجدير بالذكر: أن "مذهب الموحدين" من قبل "آريوس"، ومِن بعده -رحمهم الله وتقبلهم عنده في الشهداء، وإن كان آريوس هو الرمز الأبرز في مسيرة هذه الطائفة- بقي موجودًا، وظلت دعوتهم قائمة إلى ما قبيل البعثة المحمدية بنحو قرن من الزمان، وهو القرن الذي شهد أعظم صراع دموي بين طوائف النصارى؛ لينظر الله إلى أهل الأرض فيمقتهم: عربهم، وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب، ويرسل رسوله بالنور والهدى ودين الحق.

الثاني: دين النصارى القائلين: بألوهية عيسى -عليه السلام-.

وهؤلاء انقسموا فيما بعد إلى فرقتين:

الأولى: جمهور النصارى.

الثانية: أتباع "نسطور" الذي رفض وصف "مريم" -عليها السلام- بـ"أم الإله"، وكان له تأثير كبير وأتباع، ودينه يُعد إلى اليوم عند النصارى دينًا آخر غير دينهم، وليس مجرد طائفة.

ثم انقسم هذا الجمهور إلى فرقتين كبيرتين بعد مجمع "خلقدونية" عام 450: وهما المعروفتان الآن: بـ"الأرثوذكسية"، و"الكاثوليكية"، واستخدم الحاكم الروماني القسوة ذاتها في فرض مذهبه الكاثوليكي على الأرثوذكس، إلى مجيء الفتح الإسلامي؛ فدخل الناس في دين الله أفواجًا من: القبط، واليونانيين، والنوبيين، والأعراب، وبقيت قلة من سائر الطوائف النصرانية تمتعت بما يوفره عقد الذمة من أمان؛ فظهرت فرقة الأرثوذكس على الكاثوليك، وأصبحت أكبر أقلية دينية في مصر.

الثالث: دين الوثنيين والذي بقي ظاهرًا في مصر إلى زمن الفتح الإسلامي حيث كانوا ما زالوا يحتفلون بـ"وفاء النيل"! ويقدمون عروس النيل قربانـًا لمن ظنوهم آلهة الفيضان حتى أوقف عمرو -رضي الله عنه- ذلك الوأد التي عجزت النصرانية عن إزاحته!

وقد كان الصراع بين كل هذه الطوائف محتدمًا، وتحتفي الكنيسة المصرية جدًا بعصرين تسميهما:

الأول: "عصر الشهداء الأول"، وهم من قـُتِل وعُذِّب على أيدي الوثنيين في الفترة التي سبقت تنصر "قسطنطين".

والثاني: يسمونه: بـ"عصر الشهداء الثاني"، وهم من قتل وعذب على أيدي الكاثوليك، ومن عجيب أمر البعض المطالبة بتمجيد هذه الرموز الدينية باعتبارهم رموز وطنية -"بالمفهوم المعاصر لكلمة وطنية"!- مع أن توصيف هذه الحروب من وجهة النظر القومية المعاصرة؛ أنها كانت حربًا أهلية دينية يجب أن تطوى تفاصيلها، أو على الأقل تترك لأبناء ملتهم يمجدونها كيفما شاءوا!!

بيد أن ثمة سؤال يجب أن يطرح على هؤلاء وهو: هل سيطالبون بتدريس تاريخ كل المرحلة أم سيكتفون بذكر ما يرْوونه لهم تاركين ما عداه؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية