شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

في ظلال كتاب "المرأة بين تكريم الإسلام، وإهانة الجاهلية"

محمد سرحان • قرأت لك

أما عند الأمم النصرانية: فاعتبر رجال من النصرانية المرأة مسئولة عما في المجتمع الروماني من الفواحش والمنكرات، وأعلنوا أن المرأة: "باب الشيطان"، وأن العلاقة بالمرأة رجس في ذاتها، وأن السمو لا يتحقق إلا بالبعد عن الزواج!

يقول "ترتوليان" الملقب بالقديس: "إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان ناقضة النواميس لله، مشوهة للرجل".

وقال "سوستام" الملقب بالقديس: "إنها شر لابد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة".

في القرن الخامس اجتمع بعض اللاهوتيين؛ ليبحثوا في "مجمع ماكون": هل المرأة جثمان بحت أم هي جسد ذو روح يناط به الخلاص والهلاك؟ وغلب على آرائهم أنها خِلو من الروح الناجية لا يستثنى من ذلك إلا مريم -عليها السلام-.

وعقد الفرنسيون سنــ586ـة م، أي زمن شباب النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤتمرًا للبحث: هل تعد المرأة إنسانـًا أم غير إنسان؟ وهل لها روح أم ليس لها روح؟ وإذا كانت لها روح فهل هل روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وهل إذا كانت روحًا إنسانية: فهل على مستوى روح الرجل أم أدنى منه؟

وأخيرًا: قرروا أنها إنسان، ولكنها خلقت لخدمة الرجل فحسب، فالدين النصراني المحرف الذي ينتمي إليه العالم الغربي اليوم يرى أن المرأة ينبوع المعاصي، وأصل السيئة والفجور، ويرى أن المرأة للرجل باب من أبواب جهنم، من حيث هي مصدر تحرُّكُه، وحمله على الآثام، ومنها انبجست عيون المصائب على الإنسانية جمعاء، وهذا الذي ذكرناه عن وضع المرأة عند هذه الأمم طرف مما ذكره المؤلف عن هذه الأمم، ثم عقد فصلاً مستقلاً لوضعية المرأة عند العرب قبل الإسلام، وكيف كان حالها، وهضم حقوقها، وافتتحه بقول عمر -رضي الله عنه-: "والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم".

أما الباب الثالث: الذي هو معظم الكتاب حتى شغل من حيزه قرابة الخمسمائة وتسعٍ وخمسين صفحة؛ فقد أفرده المؤلف لمظاهر تكريم الإسلام للمرأة، وصيانته لها، وإكرامها طفلة، وبنتـًا، وزوجة، وأمًا، وأختـًا، وكيف أعطاها الإسلام ما لم يعطها غيره من الحقوق والإكرام، وسماه اسمًا يحمل معانٍ جليلة تفي بالغرض الموضوع له سماه: "شمس الإسلام تشرق على المرأة"، صدَّره بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي، وصححه الشيخان: أحمد شاكر والألباني) .

وأودعه كثيرًا مما تحتاجه المرأة في حياتها وآخرتها، تحدث في بدايته عن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة، فلم يعتبرها جرثومة خبيثة كما اعتبرها الآخرون، لكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها، وهي أنها قسيمة الرجل لها ما لها من الحقوق، وعليها أيضًا من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وعلى الرجل بما اختص به من شرف الرجولة، وقوة الجلد، وبسط اليد واتساع الحيلة أن يلي رياستها؛ فهو بذلك وليها يحوطها بقوته، ويزود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده، وذلك ما أجمله الله، وضم أطرافه، وجمع حواشيه بقوله -تباركت آياته-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) (البقرة:288) . فتلك هي درجة الرعاية والإحاطة لا يتجاوزها إلى قهر النفس، وجحود الحق.

وقرن الله بينهما في شئون الحياة، كما ساوى بينهما في الإنسانية، والموالاة، وتكاليف الإيمان، وحسن المثوبة، وادخار الأجر، وارتقاء الدرجات العلى في الجنة؛ قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات:13) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) (الممتحنة:10) ، وقال الله -تعالى-: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) (محمد:19) ، وقال الله -تعالى-: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل:97) .

واحترم الإسلام شخصية المرأة المعنوية، وسواها بالرجل في أهلية الوجوب والأداء، وأثبت لها حقها في التصرف، ومباشرة جميع العقود، وسوّى بينها وبين الرجل في الموالاة والتناصر: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (التوبة:71) ، وأزال الفوارق بين النساء، ومزقها كما مزقها بين الرجال.

وذكر الشيخ -حفظه الله- بعضًا من مظاهر رحمة الإسلام بالمرأة، ورفقته بها ذكر فيها مجموعة من الأحاديث، والآثار المهمة، وذكر وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنساء؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) (متفق عليه) ، وغيره من الأحاديث، ثم جاء بالبيان العملي من حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعشرته مع نسائه، وإحسانه إليهن.

وكان من تكريم الإسلام للمرأة: إبطال عادات الجاهلية في: الجنائز من لطم الخدود، وشق الجيوب، وما كان يفعله أهل الجاهلية بالمرأة بعد وفاة زوجها، وبيَّن هدي الإسلام في الحداد، ثم عقد فصلاً هامًا؛ للرد على دعوى المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في كل شيء؛ بيَّن فيه بعض الفروق بين الرجل والمرأة، وبيَّن جملة من الأحكام التي تخالف المرأة فيها الرجل.

الصفحة السابقة الصفحة التالية