الشيعة ويوم الغدير.. كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا
محمد مصطفى • مذاهب فكرية في الميزان
روى الإمام مسلم -رحمه الله- عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ "مَكَّةَ" وَ"الْمَدِينَةِ"، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ( أَمَّا بَعْدُ؛ أَلا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ )، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ( وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي )، فَقَالَ حُصَيْنٌ بنُ سَبْرَةَ لِزَيْدٍ: "وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟"، قَالَ: "نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ"، قَالَ: "وَمَنْ هُمْ؟"، قَالَ: "هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ"، قَالَ: "كُلُّ هَؤُلاَءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟"، قَالَ: "نَعَمْ".
وعند أحمد والترمذي والنسائي في "خصائص عليِّ" والحاكم زيادة: ( مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ؛ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ )، وهي زيادة صحيحة.
وهناك زيادة أخرى وهي: ( اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ )، وهي مختَلَفٌ في تصحيحها، والراجح تصحيحها.
وهناك زيادة: ( وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ) قال الألباني -رحمه الله-: "في ثبوته عندي وقفة؛ لعدم ورود ما يجبر ضعفه، و كأنه رواية بالمعنى للشطر الآخر من الحديث: ( اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ )".
وقد ضعَّف شيخ الإسلام –رحمه الله- زيادة: ( اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ )، وكذَّب زيادة : ( وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ) "مجموع الفتاوى 4/417-418" ، وقد أفاض الشيخ الألباني -رحمه الله- في الكلام على هذا الحديث وطُرُقه في "السلسلة الصحيحة عند حديث رقم 1750 ، 4/330-344 " .
استدلال الشيعة بحادثة "غدير خُمٍّ" على استخلاف "علي" -رضي الله عنه-:
يتمسك الشيعة بهذا الحديث للدلالة على أحقية "علي بن أبي طالب" –رضي الله عنه- بالخلافة على "أبي بكر" و"عمر" و"عثمان" –رضي الله عنهم-، فيقولون أن النبي –صلى الله عليه وسلم- خطب في مفترق الحجيج، حيث ينفتل كل امرئٍ راجعًا إلى موطنه، وكأنها وصية من النبي –صلى الله عليه وسلم- لكل هؤلاء بعد حجَّة الوداع -التي كمل فيها الدين، وأتم الله فيها على الأمة نعمته- بأن يكون الخليفة بعده هو عليٌّ –رضي الله عنه-.
وبناءً عليه؛ فيقولون أن المسلمين في هذا اليوم كانوا من كلِّ فجٍّ عميق، فهم كلُّ من أتى حاجًّا من المسلمين، فكان هذا أكبر تجمع للمسلمين -على زعمهم- كيوم "عرفة" في حجته –صلى الله عليه وسلم-، فيزعمون أن عدة من حضر خطبة "غدير خمٍّ" فاق المائة ألف نفس.
مناقشة "الشيعة" فيما ذهبوا إليه من الاحتجاج بحادثة "غدير خُمٍّ":
أما قولهم أن "غدير خُمِّ" في "الجحفة" كان هو مفترق الحجيج فهو كلام باطل عقلاً ونقلاً:
فـ"الجُحفة" التي فيها "غدير خُمٍّ" تبعد عن "مكة" تقريبًا مائتين وخمسين "250" كيلومترًا، فكيف تكون هي مفترق الحجيج؟ فمُجتمع الحجيج هو "مكة"، ومفترق الحجيج هو "مكة" أيضًا، لا مكان يبعد عن "مكة" كل هذه المسافة، فأهل "مكة" يبقون في "مكة"، وأهل "الطائف" يرجعون إلى "الطائف"، وأهل "اليمن" يرجعون إلى "اليمن"، وأهل "العراق" يرجعون إلى "العراق"، ويكون هذا التفرق من "مكة"، لا على بعد أكثر من مائتي كيلومتر.
أما بالنسبة لقولهم أن عدة المسلمين في هذا اليوم تجاوزت المائة ألف نفس؛ فتعلم بطلانه مما سبق؛ حيث إنه على هذا البُعد من "مكة"، وبعد افتراق الحجيج الحقيقي لم يكن مع النبي –صلى الله عليه وسلم- إلا مَن كان معه من أهل "المدينة" في طريقهم إليها، وكذلك مَن كان معه على طريق "المدينة".
أما بالنسبة لمتن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- فالخلاف بين أهل السنة والشيعة ليس في ثبوت الحديث -أو بالأخص ثبوت الروايات التي ذكرناها-، وإنما في مفهوم الحديث، فإنهم يستدلون بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ ) على أحقية علي -رضي الله عنه- بالخلافة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقالوا أن معناه: من كنتُ واليه؛ فعليٌّ واليه.
ومناقشة ذلك بما يلي:
كلمة "المولى" تحتمل عدة معانٍ، قال ابن الأثير -رحمه الله-: "وقد تكرر ذكر المَوْلَى في الحديث، وهو اسْمٌ يقَع على جَماعةٍ كَثيِرَة، فهو: الرَّبُّ، والمَالكُ، والسَّيِّد، والمُنْعِم، والمُعْتِقُ، والنَّاصر، والمُحِبّ، والتَّابِع، والجارُ، وابنُ العَمّ، والحَلِيفُ، والعَقيد، والصِّهْر، والعبْد، والمُعْتَقُ، والمُنْعَم عَلَيه". "النهاية في غريب الحديث والأثر 5/228" .
فلو أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- ما زعموا؛ لم يأتِ بكلمةٍ تحتمل كل هذه المعاني، وهو قد أوتي جوامع الكلم، فكان الأولى أن يقول: "علي خليفتي من بعدي"، أو: "علي الإمام من بعدي"، أو: "إذا أنا مت؛ فاسمعوا وأطيعوا لعلي".
فهل يجمع الحجيج الذين جاوزوا مائة ألف -على زعمهم-، ثم يخطب فيهم حتى يبين لهم مَن الخليفة بعده -على زعمهم أيضًا-، ثم يقول مثل هذا اللفظ الذي يحتمل معانٍ عدة في مسألة يعتبرونها ركنًا ركينًا من أركان الدين؟!
ثم إن هذا على التسليم بأن كلمة المولى تعني: الوالي؛ وإلا فكلمة المولى هي من الوَلاية -بفتح الواو-، لا الوِلاية –بكسر الواو-، والوَلاية هي: الحب والنصرة والقرب والتأييد، ومن شواهد ذلك في القرآن: