أزمة الإخوان.. أزمة أجيال أم منهج أم لائحة؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان
الفصل الثالث: "الأستاذ عاكف" يدعم جيل السبعينيات ثم ينقلب عليه فجأة:
هذه هي ملخص الحالة الحالية، لقد صعَّد الأستاذ "عاكف" الدكتور "حبيب"؛ ليكون نائبًا له، وصعَّد الدكتور "عصام العريان"؛ ليكون رئيس المكتب السياسي للجماعة، وخاض حربًا من أجل تصعيده التلقائي لـ "مكتب الإرشاد".
ثم تدخل الأمين العام الدكتور "محمود عزت"، وبدأت سلسلة من الإجراءات والانتخابات ترتب عليها خروج الدكتور "حبيب" والدكتور "أبو الفتوح" من "مكتب الإرشاد" وإن بقي فيه الدكتور "العريان"، وفسَّر البعض ذلك بأنه قادر على التعايش مع المحافظين كما يسمونهم، وانحصرت ترشيحات "المرشد" في شخصيات محسوبة على تيار المحافظين، وهي المعركة التي أخذت صورة لائحية، مما حدا بالبعض أن يفسر الأزمة على أنها "أزمة لائحة".
وفي ظل حالة التوتر القائمة الآن بين هذين التيارين في "الإخوان" يحاول بعض المفكرين الذين يروِّجون لعلمنة التيار الإسلامي أن يدفعوا جيل السبعينيات الإخواني إلى اتخاذ خطوة انفصالية مدَّعين أنهم أحق بالانتساب إلى الأستاذ "البنا" ممن سموهم بالمحافظين الذين نسبوهم إلى "سيد قطب".
ولو كانت كل الأماني ممكنة؛ لدعونا رموز هذا الجيل إلى العودة إلى جذورهم السلفية، وإذا كان هذا المطلب بعيدًا؛ فلا أقل من أن يبقوا مع إخوانهم من المحافظين ولو من باب إعطاء الفرصة، فقد أخذ جيل السبعينيات الدفـَّة الفعليَّة منذ عصر الأستاذ "التلمساني"، فتأخرت في عهدهم دعوة "الإخوان" وشـُوهت، وصارت سلمًا ارتقاه "حزب الوفد" تارة، و"أيمن نور" تارة، دون أن يقدِّموا لدعوتهم أي نجاح يُذكر وسط مشاهدة صامتة من الفريق الآخر انفجر بركان غضبها أخيرًا، فلا أقل من أن يتركوا الفرصة للجناح الآخر -إن صح التعبير- أن يقود الدفة.
كما أن هذا الجيل -الذي تغير أفراده من السلفية إلى الفكر الإخواني إلى الذي يسمونه بالفكر المنفتح- يحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس، وإعطائها فرصة التقاط الأنفاس، فمن غير الطبيعي أن يكون شخص في موقع القيادة -أي قيادة- وهو يغيِّر فكره بهذه السرعة وبهذه الاستمرارية.
إن رموز هذا الجيل قد يكونون الآن -بحكم السن- من الشيوخ، ولكن يبدو أن لديهم نفس حماس وتقلب الشباب؛ ربما لقربهم من الشباب، أو ربما لكونهم مثـَّلوا جيل الشباب في مرحلة ما مِنْ حياتهم.
إن الإنسان يحتاج مع كل نقلة فكرية أن يقف وقفة يتأمل طريقه، والعوامل والمؤثرات التي ترسم مساره، وأسباب سرعة تغيره.
يدَّعي هذا الجيل أنهم فهموا الإسلام خطأ فتشددوا حتى اتصلوا بفكر "الأستاذ البنا"، ولكن تلاميذ "البنا" الحقيقيين يرون –الآن- فيهم خطرًا على الفكرة الإسلامية.
فالنصيحة الصادقة لهذا الجيل:
رويدًا رويدًا.. أبصروا مواقع أقدامكم قبل أن تـُستخدموا لحرق الفكرة الإسلامية من الأساس، والتي كنتم في يوم ما رموزًا حرَّكوها وعاشوا لها رغم حداثة سنهم.
وأما جماعة الإخوان ككل ففي حاجة ماسة إلى الأمور الآتية:
1- تقرير منهج علمي عقدي واضح تسير عليه الجماعة، وتحديد منهج حركي مبني على حساب المصالح والمفاسد بطريقة شرعية، فلم يعد كافيًا الانتساب إلى فكر "البنا"، وقد بينـَّا أنه لم يكن كافيًا في زمانه، فكيف في زماننا؟! ولم يعد مناسبًا أن تتنصَّل الجماعة من وجود منهج علني معلن، وأن تـُخرج أبحاثها التثقفية من إطار الفردية إلى إطار الجماعية والعلنية.
2- تحتاج "الجماعة" إلى تراث مكتوب في كل القضايا التي أثير حولها الجدل من التحالف مع الأحزاب العلمانية، وما هي أدلة جوازه إن كانوا يرون ذلك؟ وهل هو جائز مطلقـًا أم بشروط؟ وما هي هذه الشروط إن وُجدت؟ وتطبيق هذا على ممارسات الفترة السابقة.
3- تحتاج "الجماعة" إلى الاعتراف بأن الآراء التي مثـَّلت اجتهادًا جماعيًّا من الجماعة أو اجتهادًا فرديًّا حاز على القبول العام، كالآراء التي كانت تـُنشر في مجلة "الدعوة" في السبعينيات مثـَّلت أراء "الجماعة" في فترة ما، بدلاً من الزعم أنها كانت آراء فردية لبعض رموز "الجماعة" كما ردَّت بذلك الأستاذة "جيهان الحلفاوي" على محاوِرها في قناة "الجزيرة" إبان ترشحها للانتخابات في "الإسكندرية"، وعلى "الجماعة" إعادة تقييم هذه الأمور، ونشر الرأي الحالي فيها، وإن كنا نتمنى أن ينتهي الرأي الحالي فيها إلى الرأي السابق المانع من مشاركة المرأة في قضية التصويت فضلاً عن الترشيح.
4- تحتاج الجماعة إلى إعادة صياغة علاقتها بالجماعات الإسلامية العاملة على الساحة؛ حيث شهدت الجماعة منذ فترة السبعينيات وحتى الآن توسعًا كبيرًا في قاعدة التعاون فيما اتفقنا عليه، شملت فيما شملت "الحزب الشيوعي المصري"، والذي حضر "الإخوان" مؤتمرات للمعارضة في وجوده، وشملت إخلاء دوائر انتخابية لنصارى! وشملت المجاملة الفجة من الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح" لـ"نجيب محفوظ"! ولكنها في ذات الوقت شهدت توترًا بالغـًا مع الاتجاهات الإسلامية الأخرى لا سيما السلفيين، والذين يمثـِّلون امتدادًا لتيار تتلمذ الأستاذ "البنا" على يديه (1) .
5- تحتاج الجماعة إلى إعادة صياغة لأوليَّات الشورى لا تـُقتبس من النظام الغربي، ولا تـَخِل بكونها جماعة دعوية وحركة اجتماعية يفرز قيادتها في المقام الأول بطريق الانتخاب الطبيعي، وهذه هي نقطة القصور الرئيسية في اللائحة الحالية، والتي حال دون تفاقمها في السابق وجود القيادة المُجمَع عليها تقريبًا، وكان كثيرًا ما يتم يتجاوز اللائحة لصالح الإفراز الطبيعي وسط رضا وترحيب من الجميع، حتى حدث التطور الأخير بحرص "الجماعة" على أن تبدو بصورة المطبـِّق للديمقراطية داخليًّا، وهو أمر دعمه جيل السبعينيات؛ لكونه أحد المطالب التي كثيرًا ما طـُلبت منهم، وبوصفها طريقهم الوحيد للتأثير على "الجماعة".
وفي هذا الصدد يبدو غريبًا جدًّا ألا يحصل الشيخ "عبد الله الخطيب" على أصوات تؤهله لعضوية "مكتب الإرشاد" رغم كونه مفتي "الجماعة"!