من صفات المربي
عصام حسنين • المرأة والأسرة
والحلم: ترك المعاجلة بالعقوبة، ومنع النفس من ضد ما تحب عند ورود الموجب لذلك, وهو بهذا يشتمل على المعرفة, والصبر, والأناة, والتثبت.
والعاقل يلزم الحلم عن الناس كافة, فإن صعب عليه ذلك فليتحالم؛ لأنه يرتقي به إلى درجة الحلم كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ؛ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ؛ يُوقَهُ ) (رواه الدارقطني والطبراني، وحسنه الألباني) .
وأما الأناة فهي التأني, وترك العجلة والتسرع، وهي خير إلا في أمر الآخرة؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ ) (رواه أبو داود والحاكم، وصححه الألباني).
والحلم يشتمل على الصبر الذي جعله الله تعالى خيرًا لأهله, فقال -عز وجل-: ( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) (النحل:126) , وأخبر -تعالى- أنه يحب أهله فقال: ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:146) , وهو خير عطاء فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ ) (متفق عليه).
والصبر معناه لغة: الحبس، واصطلاحًا: حبس النفس عن الجزع, واللسان عن التشكي، والجوارح عن المعصية التي تدل على الجزع, وتسخط المقدور.
وقيل: هو تجرع المرارة من غير تعبس, وهو أنواع ثلاثة: صبر على طاعة الله, وصبر عن معصية, وصبر على أقداره المؤلمة.
والصبر هو معول المؤمن الذي عليه يعتمد في أمره كله خاصة في تربية ولده؛ لأنه يتعامل مع طفل له أخطاؤه -ولابد من خطئه-؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ: التَّوَّابُونَ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، ويتعامل مع نفس قال الله -تعالى- عنها: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) (البلد:10) , وقال: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:7-10) , فأنت تنمي الخير الذي فيها متوجهًا إلى الله -تعالى- بصلاحها, وتضعف الشر الذي فيها, والموفق من وفقه الله -تعالى-, وهذا يحتاج إلى صبر بالغ؛ لأن الوالد يتعجل الثمار, ويريد ابنه ألا يخطئ, وقد يضاف إلى ذلك خوف مذمة الناس, فيدفعه ذلك إلى التهور والتسرع الذي لا يحمد عقباه.
فوطـِّن نفسك على الصبر على ولدك توجيهًا ومتابعة, وعدم الملال, أو اليأس منه, واعلم أن ولدك ليس أنت, ولا أنه بمجرد الأمر يأتمر ويصير بذلك صالحًا, بل اعلم مسبقًا أنه سيخطئ, وقد لا ينفذ كالكبير تمامًا إذا وعظته أو نصحته؛ فقد ينتصح أو لا, وإن انتصح فقد يقع, أو يرجع إلى الذنب أو الخطأ؛ لأننا -كما ذكرنا- نفس إنسانية محل اختبار في هذه الدار ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35).
واعلم أن هناك فروقًا فردية بين الأولاد, وليس شرطـًا ما كان ناجحًا مع ولد أن يكون ناجحًا مع ولد آخر, والمربي الناجح هو الذي يحاول أن يتفهم طبيعة ابنه, وما عنده من مميزات وعيوب, فيرفع من المميزات ويحاول استغلالها, ويعالج جاهدًا صابرًا عيوبه بجميع وسائل التربية.
وأنت في تأديتك هذه الأمانة, وصبرك عليها مأجور، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لَكِ مِنَ الأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) , وما تؤمله في فضل الله -تعالى- أن يرزقك الله ولدًا صالحًا دافع عظيم إلى بذل الجهد والصبر, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, فلنتوجه إليه -تعالى- في ذلك.
ولا بد من الأخذ بوصية النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل: ( لاَ تَغْضَبْ ) قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ النَّبِيُ -صلى الله عليه وسلم- مَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
ولا بد من كظم الغيظ, وتجرع المرارة، قال الله -تعالى-: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:134) , وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَظَمَ غَيْظًا -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ-؛ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ مَا شَاءَ ) (رواه أبو داود وأحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) (متفق عليه) , وفسر الأئمة "ابن المبارك" و"أحمد" و"ابن راهويه" -رحمهم الله- حسن الخلق: بترك الغضب, ومعنى لا تغضب: إما الأخذ بأسباب حسن الخلق من: الكرم, والحلم, والحياء, والتواضع, واحتمال الأذى, والصفح, وكظم الغيظ, ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة التي إن تخلقت بها النفس؛ أوجب لها دفع الغضب عن حصول أسبابه.
وإما عدم العمل بمقتضى الغضب, بل يجاهد نفسه على ترك تنفيذه, والعمل بما يأمر به؛ لأنه إذا ملك الإنسان كان هو الآمر الناهي.
وعلاج الغضب: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، كما جاء في "الصحيحين", وتغيير الوضعية, فإن كان قائمًا فليجلس, فإن ذهب عنه الغضب؛ وإلا فليضطجع كما جاء في "مسند أحمد".
والسكوت كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَسْكُتْ ) (رواه أحمد والبخاري في "الأدب المفرد"، وصححه الألباني) " بتصرف من جامع العلوم والحكم ص150 وما بعدها" .
علاج خطأ الطفل: