شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المزمار الذهبي

عصام حسنين • قضايا معاصرة

يا صاحب الصوت الحسن -يقول لك الآجري -رحمه الله-: "ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم؛ فليعرف قدر ما خصه الله به، وليقرأ لله لا للمخلوقين، وليحذر من الميل إلى أن يُستمع منه؛ ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا، والميل إلى حسن الثناء والجاه عند أبناء الدنيا، والصلاة بالملوك دون الصلاة بعوام الناس.

فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خِفت عليه أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله -عز وجل- في السر والعلانية، وكان مراده أن يُستمع منه القرآن؛ لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله -عز وجل- وينتهوا عما نهاهم، فمن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته، وانتفع به الناس" اهـ من أخلاق حملة القرآن ص94-95 .

وينبغي لك أن تعلم قدر نعمة الله عليك، وما جعله الله عندك، وأن تكون من الشاكرين لها، العاملين بها، فلقد أعطاك الله القرآن، فصِرت من أهل الله وخاصته؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ( هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ ) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

وهذا الشرف يكون بالعمل بكتاب الله -تعالى-؛ فقد جاء رجل إلى أبي الدرداء -رضي الله عنه- فقال: "إن ابني جمع القرآن"، فقال: "اللهم غفرًا، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع".

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: "من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا، لقد أُدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لحامل القرآن أن يَحِد -يغضب- مع من يَحِد، ولا يجهل مع من يجهل؛ لأن القرآن في جوفه".

وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع مَنْ يلهو" أخلاق حملة القرآن ص59 .

رابعًا: وينبغي لك ألا تلتفت إلى المقامات الموسيقية، وأن تحذرها، وتـُحذِّر منها، لتحذير العلماء منها، وقبل بيان ذلك أذكر لك تأريخًا للقراءة بالألحان ذكره "الرافعي" -رحمه الله- في كتابه "إعجاز القرآن ص 57 تحت عنوان: "قراءة التلحين":

"ومما ابتدع في القراءة والأداء هذا التلحين الذي بقي إلى اليوم يتناقله المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم، ويقرأون به على ما يُشبه الإقناع -وهو الغناء التقي-... ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم "الترعيد" وهو أن يُرعد القارئ صوته، قالوا: كأنه يرعد من البرد أو الألم... "والترقيص" وهو أن يروم السكوت.. ثم ينقر مع الحركة كأنه في عَدْو أو هرولة؛ و"التطريب" وهو: أن يترنم بالقرآن ويتنغم به، فيمد في غير مواضع المدّ، ويزيد في المد إن أصاب موضعه، "والتحزين" وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، ثم "الترديد" وهو ردّ الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه.

وإنما كانت القراءة تحقيقـًا أو حدرًا أو تدبرًا (4) ، فلما كانت المائة الثانية كان أول من قرأ بالتلحين والتطنين "عبيد الله بن بكرة"، وكانت قراءته حزنـًا، ليست على شيء من ألحان الغناء والحداء، فورث ذلك عنه حفيده عبد الله بن عبيد الله، فهو الذي يقال له: "قرارة بن عمر"، وأخذها عنه الإباضي، ثم أخذ سعيد بن العلاف وأخوه عن الإباضي، وصار سعيد رأس هذه القراءة في زمنه، وعرفت به؛ لأنه اتصل بالرشيد فأعجب بقراءته وكان يحظيه، ويعطيه حتى عرف بين الناس بقارئ أمير المؤمنين (5) .

وكان القراء بعده: كالهيثم وأبان وابن أعين، وغيرهم ممن يقرأون في المجالس أو المساجد يدخلون في القراءة من ألحان الغناء والحداء والرهبانية، فمنهم من كان يدس الشيء من ذلك دسًا خفيفـًا، ومنهم من يجهر به حتى يسلخه.

حتى كان "الترمذي محمد بن سعيد" في المائة الثالثة، وكان الخلفاء والأمراء يومئذ قد أولعوا بالغناء، وافتنـُّوا فيه فقرأ محمد هذا على الأغاني المولدة والمحدثة، سلخها في القراءة بأعيانها...

ولم يكن يُعرف من مثل هذا شيء لعهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا لعهد أصحابه وتابعيهم إلا ما رواه الترمذي في "الشمائل" واختلفوا في تفسيره فقد روى بإسناده عن عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- على ناقة يوم الفتح وهو يقرأ: ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) (الفتح:1-2) ، قال: فقرأ ورجَّع، وفسره ابن معقل بقوله: آآآ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثلاث مرات.

ولا خلاف بينهم في أن هذا الترجيع لم يكن ترجيع غناء (6) ، وكان في الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- من يُحكم القراءة على أحسن وجوهها، ويؤديها بأفصح مخرج وأسراه، فكأنما يُسمع منه القرآن غضًا طريًا؛ لفصاحته وعذوبة منطقه وانتظام نبراته، وهو لحن اللغة نفسها في طبيعتها لا لحن القراءة في الصناعة... " اهـ المقصود بتصرف .

قال ابن القيم -رحمه الله-: "كان له -صلى الله عليه وسلم- حزب يقرؤه ولا يخل به، وكانت قراءته ترتيلاً لا هذَّا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفـًا حرفًا. وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف المد؛ فيمد الرحمن، ويمد الرحيم... وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وأمر عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقرأ عليه وهو يسمع.

الصفحة السابقة الصفحة التالية