شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المزمار الذهبي

عصام حسنين • قضايا معاصرة

وخشع -صلى الله عليه وسلم- لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه. وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئًا ومحدثـًا... "، إلى أن قال: "وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها ويسوغوها، ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرءونه بشجى تارة وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ )، وفيه وجهان أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله، والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته -صلى الله عليه وسلم-" اهـ من زاد المعاد 1/134 وما بعدها .

ولما حدثت هذه الألحان أنكرها الصحابة -رضي الله عنهم- قال الدارمي -رحمه الله- في سننه: "باب كراهية الألحان في القرآن"، وذكر بسنده عن أيوب قال: حدثني آل سالم بن عبد الله قال: "قدم سلمة البيذق المدينة فقام يصلي بهم، فقيل لسالم: لو جئت فسمعت قراءته؟ فلما كان بباب المسجد سمع قراءته رجع، فقال: "غناءٌ.. غناء" رقم: 3495، وذكر بسنده عن الأعمش قال: "قرأ رجل عند أنس بلحن من هذه الألحان فكره ذلك أنس" رقم: 3502.

وختم سننه بأثر عن ابن سيرين قال: "كانوا يرون هذه الألحان في القرآن محدثة" رقم: 3503، وقال محقق السنن: صحيح موقوف. وإنما فعلوا ذلك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حذرهم منها.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والانقياد للطاعة فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن يُنزه عن هذا ويجل، ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب!

وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-، وذكر بسنده عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم" قال ابن الجوزي: "لا يصح".

وعن عابس الغفاري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه ذكر أمورًا تخوفها على أمته، منها: ( وَنَشْئاً يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَهُ يُغَنِّيهِمْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُمْ فِقْهاً ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) (7) .

وهذا يدل على أنه محذور كبير، وهي قراءة القرآن بالألحان التي يُسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة -رحمهم الله- على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفـًا أو ينقص حرفـًا، فقد اتفق العلماء على تحريمه، والله أعلم" اهـ باختصار من فضائل القرآن .

ونقل هذا الإجماع أيضًا النووي -رحمه الله-، وقال الماوردي والآجري: "يأثم القارئ والمستمع"؛ قال النووي: "ومن هذا النوع ما يقرؤه بعض الجهلة على الجنائز وفي محافل الوعاظ وغيرها، وهي بدعة محرمة ظاهرة نسأل الله الكريم تعجيل زوالها بخير" اهـ من مختصر التبيان ص64 .

وأما إذا خلا عن هذا المحذور فقد اختلف الأئمة:

فالجمهور على الكراهة؛ لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم.

وقال مالك وأحمد: بدعة، ونقل ابن حجر عن الإمام مالك: التحريم.

وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف؛ لأنها سبب للرقة وإثارة الخشية، وإقبال النفوس على استماعه.

وعن الشافعي قولان: قول بالكراهة، حملها أصحابه على الخروج إلى حد التمطيط، وقول بالإباحة إذا لم يكن فيها ذلك انظر شرح مسلم للنووي 6/80، وفتح الباري 8/690 .

والراجح -إن شاء الله-: المنع؛ لما ذكرنا من الأدلة والآثار عن السلف، وأنه محدث، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا ، فَهْوَ رَدٌّ ) (رواه مسلم) ، أي: مردود على صاحبه. فيجب أن يُرد.

وبذلك أفتى العلماء المعاصرون الذين يُعتبر قولهم؛ لقدمهم الراسخة في العمل والعلم؛ فقد سئل الشيخ ابن باز -رحمه الله- عن: قارئ يقرأ القرآن بواسطة مقامات هي أشبه بالمقامات الغنائية، بل هي مأخوذة منها؟

فقال: "لا يجوز للمؤمن أن يقرأ القرآن بألحان الغناء وطريقة المغنيين، بل يجب أن يقرأه كما قرأه سلفنا الصالح من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأتباعهم بإحسان فيقرأه مرتلاً متحزنـًا متخشعًا؛ حتى يؤثر في القلوب التي تسمعه وحتى يتأثر هو بذلك، أما أن يقرأه على صفة المغنيين، وعلى طريقتهم فهذا لا يجوز" اهـ .

وقال الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله-: "التلحين في القراءة تلحين الغناء والشعر، مسقط للعدالة، ومن أسباب رد الشهادة قضاءً، وكان أول حدوث هذه البدعة في القرن الرابع الهجري على أيدي الموالي" اهـ من بدع القراء .

وسئل شيخنا الدكتور ياسر برهامي -حفظه الله- سؤالاً عن تعلم المقامات بدون استخدام موسيقى إنما عن طريق تدريب الأصوات؟

فقال: "لا ينبغي أن يتشبه قارئ القرآن بألحان الأعاجم وطريقتهم في الأداء، ويكفي أنه يصرف ذهن القارئ إلى مثل هذا الأمر ليضبط صوته به؛ فتضيع هيبة التلاوة وغاية التدبر" اهـ راجع موقع صوت السلف .

هذا والله -تعالى- أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ثم تبرَّأ الشيخ بعد ذلك من القراءة بالمقامات، وقال أن أقوال أهل العلم دائرة بين التحريم والكراهة، وكذا أخبر أنه اتصل بمدير قناة الفجر وناصحه في ذلك، فجزاه الله خيرًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية