شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم

ياسر عبد ربه • بحوث شرعية

- الجمع الثاني: في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.

- الجمع الثالث: في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- .

المراد بالجموع الثلاثة:

وقد يشكل على الذهن كيف يجمع الشيء الواحد ثلاث مرات؛ فإذا كان جمع في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكيف يجمع في عهد أبي بكر -رضي الله عنه-، وإذا جمع في عهد أبي بكر ثانية فكيف يجمع ثالثة؟!

والجواب:

أنه لا يُراد بالجمع معناه الحقيقي في جميع المراحل، فالمراد بجمع القرآن في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- (كتابته وتدوينه)، والمراد بجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- (جمعه في مصحف واحد)، والمراد بجمع القرآن في عهد عثمان -رضي الله عنه- (نسخه) في مصاحف متعددة.

ويظهر بهذا أن الجمع بمعناه الحقيقي كان في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.

وسنتحدث عن كل مرحلة من مراحل هذا الجمع:

أولاً: جمع القرآن بمعنى كتابته وتدوينه في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-:

- كُتَّاب الوحي: اتخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- عددًا من الصحابة وكان إذا نزل عليه شيء من القرآن أمر أحدهم بكتابته وتدوينه، ويعرف هؤلاء الصحابة بـ"كُتَّاب الوحي" ومنهم: الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع، والزبير بن العوام، وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الأرقم، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس وغيرهم.

صفة هذا الجمع:

وصف هذا الجمع صحابيان جليلان، فقال زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ " (رواه الترمذي والحاكم، وصححه الألباني) ، أي: نجمعه لترتيب آياته من الرقاع.

وروى عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول: ( ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ) (رواه أحمد الحاكم، وحسنه الحافظ ابن حجر) .

أدوات الكتابة:

لم تكن أدوات الكتابة ميسرة للصحابة في ذلك الوقت فكانوا يكتبونه على كل ما تناله أيديهم من:

العسب -وهي جريد النخل.

واللخاف: -وهي الحجارة الرقيقة-.

والرقاع: -وهي القطعة من الجلد أو الورق-.

والكرانيف: -وهي أطراف العسب العريضة-.

والأقتاب: -جمع قتب وهي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه-.

والأكتاف: -جمع كتف وهي عظم عريض للإبل والغنم-.

وكان كُتاب الوحي -رضي الله عنهم- يضعون كل ما يكتبون في بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينسخون لأنفسهم منه نسخة.

مميزات جمع القرآن في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-:

- كتب القرآن في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الأحرف السبعة، فقد ثبت في السنة نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف، ومما ورد في ذلك حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وفيه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) (متفق عليه).

- أجمع العلماء على أن جمع القرآن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان مرتب الآيات، أما ترتيب السور ففيه خلاف.

- بعض ما كتب في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- نسخت تلاوته وظل مكتوبًا حتى توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: " كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ " (رواه مسلم).

- لم يكن القرآن الكريم في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجموعًا في مصحف واحد، بل كان مفرقًا في الرقاع والأكتاف واللخاف وغيرها؛ ولهذا قال زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: "قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن القرآن جمع في شيء"، وقال أيضًا لما أمر بجمع القرآن في عهد أبي بكر -رضي الله عنه-: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال".

ولعلك تسأل: لماذا لم يجمع القرآن في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مصحف واحد؟

وقد أجاب العلماء -رحمهم الله -تعالى- على ذلك، وذكروا أسبابًا، منها:

- أن الله -تعالى- قد أمَّن نبيه -عليه الصلاة والسلام- من النسيان بقوله -سبحانه و-تعالى-: ( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى . إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ) (الأعلى:6-7) ، أي: ما شاء أن يرفع حكمه بالنسخ، فلا خوف إذن أن يذهب شيء من القرآن الكريم، وأما بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- فإن النسيان قد يقع، فبادر المسلمون إلى جمعه في مصحف واحد.

- قال الخطابي: "إنما لم يجمع -صلى الله عليه وسلم- القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة".

وقال الزركشي: "وإنما تُرك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يرد على بعض، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ، ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين".

- أن القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، بل نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة.

- أن ترتيب آيات القرآن وسوره ليس على حسب ترتيب نزوله، ولو جمع القرآن في مصحف واحد حينذاك لكان عرضة للتغيير كلما نزل شيء من القرآن.

ولم يكن الصحابة -رضي الله عنهم- إذا اختلفوا في شيء من القرآن يرجعون إلى ما هو مكتوب، بل كانوا يرجعون إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيعرضون عليه قراءتهم ويسألونه عنها.

وبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومقتل بعض القراء من الصحابة دعت الحاجة إلى جمع القرآن في مصحف واحد، فكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.

ثانيًا: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- :

الصفحة السابقة الصفحة التالية