شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم

ياسر عبد ربه • بحوث شرعية

سببه: بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ارتدت بعض قبائل العرب، فأرسل أبو بكر -رضي الله عنه- خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجيوش؛ لقتال المرتدين، وكان قوام هذه الجيوش هم الصحابة -رضوان الله عليهم- وفيهم حفاظ القرآن، وكانت حروب الردة شديدة، قتل فيها عدد من القراء الذين يحفظون القرآن الكريم فخشي بعض الصحابة أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حَفظته، فأراد أن يجمع القرآن في مصحف واحد بمحضر من الصحابة.

وقصة ذلك رواها البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أنه قال: " أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه-: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟! قَالَ: عُمَرُ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ.

قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟! قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ -رضي الله عنهما- فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ) حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ) (رواه البخاري) .

تاريخ هذا الجمع:

هو كما جاء في الحديث بعد معركة اليمامة، وفي السنة الثانية عشرة من الهجرة.

أسباب اختيار زيد بن ثابت لهذا الجمع:

ترجع أسباب اختيار زيد بن ثابت لأمور، منها:

- أنه كان من حفاظ القرآن الكريم.

- أنه شهد العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، وقد روى البغوي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: "قرأ زيد بن ثابت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العام الذي توفاه الله فيه مرتين... إلى أن قال عن زيد بن ثابت: إنه "شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف -رضي الله عنهم أجمعين-".

- أنه من كُتَّاب الوحي للرسول -صلى الله عليه وسلم-.

- خصوبة عقله، وشدة ورعه، وكمال خلقه، واستقامة دينه، وعظم أمانته، ويشهد لذلك قول أبي بكر -رضي الله عنه-: " إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ". وقوله نفسه -رضي الله عنه-: " فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ ".

منهج زيد في هذا الجمع:

من المعلوم أن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- كان يحفظ القرآن كله في صدره، وكان القرآن مكتوبًا عنده، ومع هذا فلم يعتمد على ما حفظه، ولا على ما كتب بيده، وذلك أن عمله ليس جمع القرآن فحسب، وإنما التوثيق والتثبت فيما يكتب، ولهذا يقول الزركشي -رحمه الله تعالى- عن زيد: "وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم"، وقال ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "وفائدة التتبع: المبالغة في الاستظهار، والوقوف عند ما كُتب بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-".

ويظهر لي أن من حِكَم ذلك أن زيد بن ثابت لا يكتب القرآن هنا لنفسه، وإنما يكتبه للأمة، وما دام كذلك فلابد أن يكتبه بمشهد من الأمة وحضورها، بل ومن صدورها مما تلقته عن نبيها -عليه الصلاة والسلام-، وثبت في العرضة الأخيرة للقرآن على الرسول -صلى الله عليه وسلم-. والله أعلم.

وقد رسم أبو بكر لزيد المنهج لهذا الجمع فقال له ولعمر ابن الخطاب -رضي الله عنهم-: "اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه".

وقد امتثلا ذلك فقد قام عمر في الناس فقال: "من كن تلقى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا من القرآن فليأتنا به".

وقد بيَِّن زيد نفسه المنهج الذي سلكه بقوله -رضي الله عنه-: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال"؛ وعلى هذا فإن منهج زيد في جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- يقوم على أسس أربعة:

- الأول: ما كتب بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه مما ثبت في العرضة الأخيرة.

- الثاني: ما كان محفوظًا في صدور الرجال.

- الثالث: أن لا يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد شاهدان على أنه كُتب بين يدي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، قال السخاوي معناه: "من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

وقال ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى-: "وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- لا من مجرد الحفظ" . وكذا مما ثبت في العرضة الأخيرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية