شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم

ياسر عبد ربه • بحوث شرعية

- الرابع: أن لا يقبل من صدور الرجال إلا ما تلقوه من فم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإن عمر -رضي الله عنه- ينادي: "من كان تلقى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا من القرآن فليأتنا به"، ولم يقل من حفظ شيئًا من القرآن فليأتنا به.

مميزات جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-:

- جُمع القرآن الكريم في هذا العهد على أدق وجوه البحث والتحري والإتقان، وظفر هذا الجمع بإجماع الأمة عليه وتواتر ما فيه.

- أهمل في هذا الجمع ما نسخت تلاوته من الآيات.

- أن هذا الجمع كان على ما ثبت في العرضة الأخيرة من الأحرف السبعة.

- أن هذا الجمع كان مرتب الآيات باتفاق، واختلف العلماء في السور: هل كانت مرتبة في هذا الجمع أم أن ترتيبها كان في عهد عثمان -رضي الله عنه-؟

- اتفق العلماء على أنه كتب نسخة واحدة من القرآن في هذا الجمع حفظها أبو بكر؛ لأنه إمام المسلمين.

- أن أبا بكر -رضي الله عنه- لم يُلزِم الناس باتباع المصحف الذي كتبه، ولم يكن هذا من مقاصده لما أمر بكتابة المصحف؛ لذا بقي الصحابة يقرءون بما سمعوه من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان في ذلك بعض المنسوخ في العرضة الأخيرة.

مكانة هذا الجمع:

ظفر هذا الجمع باتفاق الصحابة -رضي الله عنهم- على صحته ودقته، وأجمعوا على سلامته من الزيادة والنقصان، وتلقوه بالقبول والعناية التي يستحقها، حتى قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر فإنه أول من جمع ما بين اللوحين" .

ومع التصريح من علي -رضي الله عنه- فقد زعم قوم أن أول من جمع القرآن هو علي -رضي الله عنه- وقد رد عليهم الألوسي فقال: "وما شاع أن عليًا -رضي الله عنه-- لما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تخلف لجمعه، فبعض طرقه ضعيفة، وبعضها موضوع، وما صح فمحمول كما قيل: على الجمع في الصدر، وقيل: كان جمعًا بصورة أخرى لغرض آخر، ويؤيده أنه قد كتب فيه الناسخ والمنسوخ فهو ككتاب علم".

ولهذا روي أن أول من جمعه عمر -رضي الله عنه-، كما روي أن أول من جمعه سالم مولى أبي حذيفة، أقسم أن لا يرتدي برداء حتى يجمعه، وكل ذلك محمول على ما حمل عليه جمع علي -رضي الله عنه-، بل ذكر ابن حجر وغيره أن جمع علي -رضي الله عنه- كان حسب ترتيب النزول، وذكر النهاوندي -أحد مفسري الشيعة- "أن الكتاب الذي جمعه أمير المؤمنين -عليه السلام- كان فيه بيان شأن نزول الآيات، وأسماء الذين نزلت فيهم، وأوقات نزولها، وتأويل متشابهاتها، وتعيين ناسخها ومنسوخها، وذكر عامها وخاصها، وبيان العلوم المرتبطة بها، وكيفية قراءتها".

وإن صح هذا -مع استحالته- فليس هو بجمع للقرآن وإنما هو كتاب في علوم القرآن، وإنما قلت: مع استحالته، فلأن جمعه حسب ترتيب النزول غير ممكن، فقد سأل محمد بن سيرين عكرمة مولى ابن عباس فقال: "قلتُ لعكرمة: ألفوه كما أنزل الأول فالأول؟ قال: لو اجتمع الإنس والجن على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا".

تسميته بالمصحف:

لم يكن "المصحف" يطلق على القرآن قبل جمع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وإنما عرف هذا الاسم بعد أن أتم زيد جمع القرآن، فقد روى السيوطي عن ابن أشته في كتابه "المصاحف" أنه قال: "لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسمًا فقال بعضهم: السفر، وقال بعضهم: المصحف، فإن الحبشة يسمونه المصحف، وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه: المصحف".

خبر هذا المصحف:

بعد أن أتم زيد جمع القرآن في المصحف سلمه لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- فحفظه عنده حتى وفاته، ثم انتقل إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وبعد وفاته انتقل المصحف إلى حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنها-؛ لأن عمر -رضي الله عنه- جعل أمر الخلافة من بعده شورى، فبقي عند حفصة إلى أن طلبه منها عثمان -رضي الله عنه- لنسخه بعد ذلك، ثم أعاده إليها -لما سيأتي- ولما توفيت حفصة -رضي الله عنها- أرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- ساعة رجعوا من جنازة حفصة بعزيمة ليرسلن بها، فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان -رضي الله عنه-.

ثالثًا: جمع القرآن بمعنى نسخه في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- :

سببه: عندما اتسعت الفتوحات الإسلامية انتشر الصحابة -رضي الله عنهم- في البلاد المفتوحة يعلمون أهلها القرآن وأمور الدين، وكان كل صحابي يقرأ بما سمعه من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي بعضه ما لم يثبت في العرضة الأخيرة، وكان أهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب -رضي الله عنه-، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفر بعضهم بعضًا. وعندما اتجه جيش المسلمين لفتح "أرمينية" و"أذربيجان" كان الجنود من أهل العراق وأهل الشام، فكان الشقاق والنزاع يقع بينهم، ورأى حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- اختلافهم في القراءة، وبعض ذلك مشوب باللحن، مع إلف كل منهم قراءته، واعتياده عليها، واعتقاده أنها الصواب، وما عداها تحريف وضلال، حتى كفـَّر بعضهم بعضًا، فأفزع هذا حذيفة -رضي الله عنه- فقال: والله لأركبن إلى أمير المؤمنين -يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه- وكان عثمان قد رأى نحو هذا في المدينة، فقد كان المعلم يُعلـِّم بقراءة، والمعلم الآخر يعلِّم بقراءة، فجعل الصبيان يلتقون فينكر بعضهم قراءة الآخر، فبلغ ذلك عثمان -رضي الله عنه-، فقام خطيبًا وقال: "أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا، وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، واكتبوا للناس إمامًا".

الصفحة السابقة الصفحة التالية