دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم
ياسر عبد ربه • بحوث شرعية
فلما جاء حذيفة إلى عثمان -رضي الله عنهما- وأخبره بما جرى، تحقق عند عثمان ما توقعه، وقد روى البخاري في "صحيحه" قصة ذلك الجمع في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: " إنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ ... ".
تاريخ هذا الجمع:
كان ذلك في أواخر سنة 24 وأوائل سنة 25 كما قال ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى-.
فكرة الجمع:
لما سمع عثمان -رضي الله عنه- ما سمع، وأخبره حذيفة -رضي الله عنه- بما رأى، استشار الصحابة فيما يفعل، فقد روى ابن أبي داود بإسناد صحيح -كما يقول الحافظ ابن حجر- من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف.. فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.. قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل".
اللجنة المختارة:
اختار عثمان -رضي الله عنه- أربعة لنسخ المصاحف هم:
زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهؤلاء الثلاثة من قريش.
فقد سأل عثمان الصحابة: "من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن ثابت قال: فأي الناس أعرب؟ وفي رواية أفصح، قالوا: سعيد بن العاص، قال عثمان: فليمل سعيد، وليكتب زيد".
المنهج في هذا الجمع:
بعد ما اتفق عثمان مع الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- على جمع القرآن على حرف، سلك منهجًا فريدًا، وطريقًا سليمًا، أجمعت الأمة على سلامته ودقته.
- فبدأ عثمان -رضي الله عنه- بأن خطب في الناس فقال: "أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون: "قراءة أُبيّ" و"قراءة عبد الله"، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك فأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذكر كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلاً رجلاً فناشدهم، لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم".
- وأرسل عثمان -رضي الله عنه- إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر -رضي الله عنهما- أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نعيدها إليك، فأرسلت بها إليه، ومن المعلوم أن هذه الصحف هي التي جمعت في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- على أدق وجوه البحث والتحري.
- ثم دفع ذلك إلى زيد بن ثابت والقرشيين الثلاثة، وأمرهم بنسخ مصاحف منها، وقال عثمان للقرشيين: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم".
- إذا تواتر في آية أكثر من قراءة تكتب الآية خالية من أية علامة تقصر النطق بها على قراءة واحدة فتكتب برسم واحد يحتمل القراءتين أو القراءات فيها جميعًا، مثل:
أ?- ( فَتَبَيَّنُوا ) التي قرأت أيضًا: ( فتثبتوا ) .
ب?- ( نُنشِزُهَا ) قرأت أيضًا: ( نَنشُرُها ) .
أما إذا لم يمكن رسمها بحيث تحتمل القراءات فيها فتكتب في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي مصاحف أخرى برسم يدل على القراءة الأخرى مثل:
أ?- ( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ ) هكذا كتب في بعض المصاحف، وفي بعضها: ( وأوصى ).
ب?- ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ). بواو قبل السين في بعض المصاحف، وفي بعضها بحذف الواو.
وبعد الفراغ من نسخ المصاحف بعث عثمان -رضي الله عنه- بنسخ منها إلى الأمصار الإسلامية، حيث نشط المسلمون في نسخ مصاحف منها للأفراد، وكان زبيد بن الحارث في المدينة يتفرغ في رمضان من كل سنة لعرض المصاحف فيعرضون مصاحفهم عليه، وبين يديه مصحف أهل المدينة.
مزايا جمع القرآن في عهد عثمان -رضي الله عنه-:
تميز هذا الجمع بمزايا عديدة، منها:
- كُتب القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة هو حرف قريش، وقد كتب مجردًا حتى يحتمل أحرفًا أخرى، فإن لم يحتمل إلا حرفًا واحدًا كتب بلسان قريش، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "جمع عثمان -رضي الله عنه- الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القراءة بها لما كان ذلك مصلحة".
- إهمال ما نسخت تلاوته؛ فقد كان قصد عثمان -رضي الله عنه- جمع الناس على مصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه؛ خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد.
- الاقتصار على ما ثبت في العرضة الأخيرة وإهمال ما عداه؛ فقد روى ابن أبي داود في "المصاحف" عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح، قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر، فجيء بها قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه. قال محمد: فقلت لكثير، وكان فيهم فيمن يكتب هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا. قال محمد: فظننت ظنًا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الآخرة فيكتبونها على قول ه".