دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم
ياسر عبد ربه • بحوث شرعية
- الاقتصار على القراءات الثابتة المعروفة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإلغاء ما لم يثبت. وقد كان الهدف من جمع القرآن الكريم في عهد عثمان -رضي الله عنه- تجريده مما لم يثبت من القراءات في العرضة الأخيرة للقرآن على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان بعض الصحابة يقرأ بقراءة كان سمعها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم تثبت في العرضة الأخيرة.
- كان مُرتَّب الآيات والسور على الوجه المعروف الآن؛ قال الحاكم في "المستدرك": "إن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جُمع بعضه بحضرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق، والجمع الثالث هو في ترتيب السور، وكان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنهم أجمعين-".
الفروق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان -رضي الله عنهما-:
كان معنى "الجمع" ظاهرًا في جمع القرآن في عهد أبي بكر، فقد كان القرآن مفرقًا فأمر بجمعه، كما قال المحاسبي: "كان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء".
إذاً فمعنى الجمع فيه ظاهر لا يحتاج إلى تفريق بينه وبين الجمع في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكن الإشكال واللبس هو في الجمعين الثاني والثالث، إذ كيف يأمر عثمان بجمع القرآن وهو مجموع في عهد أبي بكر -رضي الله عنهما-؟?!
ولذا فإن العلماء يولون التفريق بين جمع القرآن في عهد أبي بكر وجمعه في عهد عثمان عنايتهم لإزالة هذا اللبس، ويذكرون فروقـًا.
قال القاضي أبو بكر في "الانتصار": "لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلغاء ما ليس كذلك".
وقال ابن التين وغيره: "الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض؛ فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجًا بأنه نزل بلغتهم".
ونستطيع أن نستخلص أهم الفروق، وهي:
- أن الباعث لجمع القرآن في عهد أبي بكر -رضي الله عنه- خشية أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفظته، وذلك حين استحرَّ القتل بالقراء في حروب الرِّدَّة، أمَّا جمعه في عهد عثمان -رضي الله عنه- فلكثرة الاختلاف في وجوه القراءة.
- أنَّ جمع أبي بكر -رضي الله عنه- يشمل ما بقي من الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة، أما جمعه في عهد عثمان فقد كان على حرف واحد هو حرف قريش مع تجريده، حتى يحتمل أحرفًا أخرى.
- أنَّ أبا بكر -رضي الله عنه- لم يلزم الناس باتباع المصحف الذي كتبه، أما عثمان -رضي الله عنه-؛ فألزمهم باتباعه بمشورة الصحابة وإجماعهم، لذا مُنعت القراءة بما نسخ من الأحرف السبعة ولم يثبت في العرضة الأخيرة، وظهر بذلك ما يُعرف بالقراءة الشاذة، ولو صَحّ سندها وثبت قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- بها، وبهذا يظهر أن ضابط القراءة الشاذة التي صح سندها ولم يقرأ بها الأئمة كونها نسخت في العرضة الأخيرة.
- أنَّ جمع أبي بكر -رضي الله عنه- كان مرتب الآيات، وفي ترتيب السور خلاف، أمَّا جمع عثمان فقد كان مرتب الآيات والسور باتفاق.
- أنَّ الجمع في عهد أبي بكر -رضي الله عنه- بمعنى الجمع في مصحف واحد، وأما الجمع في عهد عثمان -رضي الله عنه- فبمعنى نسخه في مصاحف متعددة.
إنفاذ المصاحف:
بعد أن أتمَّت اللجنة نسخ المصاحف أنفذ عثمان -رضي الله عنه- إلى آفاق الإسلام بنسخ منها، وأرسل مع كل مصحف مَنْ يوافق قراءته، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن أبي شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السُّلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري، وتلقى التابعون في كل قطر قراءة إمامهم، وتفرغ قوم منهم لضبط القراءات حتى صاروا أئمة يُرحل إليهم.
موقف الصحابة من هذا الجمع:
وبعد أن أنفذ عثمان المصاحف أمر بما سوى مصحفه أن يُحرق، وبعث إلى أهل الأمصار: "إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم".
وقد رضي الصحابة -رضي الله عنهم- ما صنع عثمان، وأجمعوا على سلامته وصحته. وقال زيد بن ثابت: "فرأيت أصحاب محمد يقولون: أحسن والله عثمان، أحسن والله عثمان".
وروى ابن أبي داود عن مصعب بن سعد، قال: "أدركت الناس متوافرين حين حرَّق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، وقال: لم يُنكِر ذلك منهم أحد".
وروى سويد بن غفلة، قال: قال علي -رضي الله عنه-: "لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا"، وعند ابن أبي داود قال: قال علي في المصاحف: "لو لم يصنعه عثمان لصنعته".
ولم يُنقل عن أحد من الصحابة خلاف أو معارضة لما فعل عثمان -رضي الله عنه- إلا ما روي من معارضة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وينبغي أن نعلم أن معارضته -رضي الله عنه- لم تكن بسبب حصول تقصير في الجمع، أو نقص أو زيادة، وإنما جاءت معارضته لعدم تعيينه مع أعضاء لجنة النسخ للمصاحف، ولهذا قال: "أُعْزَلُ عن نسخِ المصاحف ويتَوَلاَّها رجل، والله لقد أسلمت وإنَّه لفي صُلب رجلٍ كافرٍ".
وروى الترمذي عن ابن شهاب، قال: "فبلغني أن ذلك كَرِهَه مِن مقالة ابن مسعود رجالٌ من أفاضل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-".