الطريق إلى الولد الصالح 8- التربية الإيمانية في مرحلة الطفولة
عصام حسنين • المرأة والأسرة
- وحبذا لو رأى منا أثر هذا الإيمان وهذه المراقبة؛ فإنها تؤصل أصولاً، وتبني قواعدَ في نفسه، يقول ابن الجوزي -رحمه الله-: "ولقيتُ عبد الوهاب الأنماطي، فكان على قانون السلف، لم يُسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكذلك إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق؛ بكى واتصل بكاؤه، فكان -وأنا صغير السن حينئذ- يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعدَ، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل، ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يلقي، متقنًا متحققًا، وربما يسأل الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما، ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أشد من الدليل بالقول" اهـ من "صيد الخاطر ص117-118" .
وأن يعوده الصلاة ويدربه عليها عن طريق المشاهدة من سن مبكرة قبل التمييز من خلال الأم في البيت، وصلاة الأب للنوافل في البيت، مع اهتمام وخشوع، فيتولد في نفس الطفل تعظيم لله -تعالى- وحب له.
- وكثيرًا ما نجد من أولادنا في هذا السن تقليدًا ومحاكاة لنا في الصلاة.
- وينبغي أن يُعوَّد الاستنجاء، وتنظيف نفسه، وإزالة النجاسة عنه، وهذا يكون بالمتابعة الجيدة والتعويد.
- فإذا قارب الولد سن التمييز؛ دربناه على الوضوء بأن نتوضأ أمامه، ونطلب منه أن يتوضأ كما توضأنا مع التوجيه والإرشاد.
وهكذا في كل صلاة حتى يتمكن الوضوء من نفسه، مع اصطحاب أسلوب المدح والتشجيع مع الرفق واللين، ولا يعنفه أو يلزمه حتى لا ينفر من الصلاة.
- وأن نعرفه فضل الوضوء؛ ليحرص عليه وليقبل عليه بحب.
- فإذا بلغ السابعة أمرناه بالصلاة؛ امتثالاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وهذا واجب.
قال القاضي: "يجب على ولي الصبي أن يعلمه الطهارة والصلاة؛ إذا بلغ سبع سنين، ويأمره بها، ويلزمه أن يؤدبه عليها إذا بلغ عشر سنين؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وهذا التأديب المشروع في حق الصبي؛ لتمرينه على الصلاة كي يألفها ويعتادها، ولا يتركها عند البلوغ، ولا فرق فيما ذكرناه بين الذكر والأنثى" اهـ بتصرف من "المغني" .
- ولا تتركه يصلي إلا طاهرًا ساترًا لعورته حتى يتعود ذلك ويألفه؛ لأنه صائر إليه.
- ويتابعه في ذلك ويشجعه، رُويَ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعودوهم الخير؛ فإن الخير عادة".
- فإذا بلغ العاشرة فذكره بالآيات والأحاديث في فضل الصلاة، وأن تعوده السنن الرواتب مع الصلوات.
- وحبذا لو صليت به ركعتين في جوف الليل، أو يُصلي بك إن كان يحفظ شيئًا من القرآن، لكن لا ينبغي أن تثقل عليه في ذلك؛ فإن كان يريد النوم أو غلبه؛ فلتدعه ينم رفقًا به.
- ولا شك أن تعوُّده النوافل خاصة قيام الليل يدفعه للحفاظ على الفرض، وعلى محبة التقرب لله -تعالى-.
- أما إذا قصر في الصلاة فينصح ويذكر بالله -تعالى-، ونادرًا ما يستمر في إهماله؛ لأن الطفل في هذه السن يحرص على طاعة والديه وإرضائهما؛ أملاً في المكانة الجيدة لديهما من إعجاب وتقدير، وعلى الوالد أن يستغل هذه المرحلة جيدًا، فيشجعه ويثني عليه، ويعطيه المكانة اللائقة به بين أفراد الأسرة -والله المستعان-.
- فإن وجدنا منه إهمالاً؛ فعلى الأب زجره وإهماله وهجره، وحرمانه من بعض الأشياء المحببة إليه، وهنا تظهر ثمرة ملاعبته سبعًا؛ إذ يجد الولد في هجر أحب الناس إليه ألمًا نفسيًّا شديدًا لا يحتمله، فيسارع إلى إرضاء أبيه بإرضاء الله -تعالى-، والمحافظة على الصلاة.
- وإن لم يفلح ذلك؛ لجأ إلى الضرب غير المبرح؛ امتثالاً لأمره -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ ).
- أما إن قصر الوالد في تعويد ولده الصلاة منذ السابعة؛ فلا يصح أن يضربه عليها لعشر؛ بل لابد من استخدام أسلوب التدريج والتعويد من جديد، حتى وإن تعدى الولد سن العاشرة، فمن الخطإ أن يُظن قيام الولد بالصلاة عن طواعية في العاشرة أو البلوغ؛ ما لم يكن قد تعود عليها قبل ذلك.
- فعلى الأب أن يُراعي أولاده منذ الصغر في أمر صلاتهم، وليعلم أنه مسئول عن هذه الأمانة، فليعد للسؤال جوابًا.
- ولا بأس أن يصطحبه إلى المسجد؛ إذا أمِن تلويثه المسجد وعدم بكائه تشويشًا على المصلين، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحمل "الحسن" أو "الحسين" ويأتي بهما المسجد، وصلى مرة حاملاً "أمامة"، وربما ركبه ابنه وهو في الصلاة -صلى الله عليه وسلم-.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "يُصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسخيهم لحصيره، ونحو ذلك، لا سيما إن كان وقت الصلاة، فإن ذلك من عظيم المنكرات" اهـ من "مجموع الفتاوى" .
- وإذا بلغ السابعة وأخذه والده إلى المسجد فينبغي أن يهيئه لذلك، وأن يعده للصلاة في المسجد، وأن يحببه إليه ليشتاق له.
- وعليه أن يتفق مع إمام المسجد وبعض إخوانه المصلين على أن يستقبلوا ولده استقبالاً حسنًا، وهذا مهم جدًّا، فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يعلقون "قنو التمر" -أي: غصنه- في المسجد؛ ليأكل منه الأطفال وغيرهم، وفي ذلك ترغيب لهم في إتيان المسجد ينبغي أن يتعلمه المصلون، لا أن ننهرهم أو نزجرهم ونخرجهم من المسجد، فننفرهم من الصلاة ومن الإسلام، وقد ينهر أحد المصلين طفلاً صغيرًا، فيظل الموقف عالقًا في ذهنه، ويستثمره الشيطان في صده عن دخول المسجد حتى بعد أن يصير شابًّا، كما نسمع ذلك كثيرًا -وإنا لله وإنا إليه راجعون-..