الغضب
ياسر عبد التواب • التزكية
قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) (متفق عليه)
وفي تفسير قول الله -تعالى- عن يحيى -عليه السلام-: ( أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) (آل عمران:39).
قال ابن زيد: "السيد الذي لا يغلبه الغضب". وقال الزجاج: "السيد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير"، وهذا جامع.
قال الشافعي: "وإياك أن تسترضي الولد إذا غضب بلين الكلام وخفض الجناح، فإن ذلك يتلف حاله ويهون عليه العقوق، بل ذكره بخطئه وما أعد له من العقاب عليها، وإياك أن تسبه أو تشتمه؛ فإن ذلك يجرئه على النطق بمثله مع إخوانه، بل معك".
5- التفكر في حال السلف في كظمهم الغيظ وذمهم الغضب:
وتلك بعض أحوالهم وأقوالهم في بيان مساوئ الغضب والخصومة: تفكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في حال الأنبياء وصبرهم، فقد أخرج البخاري: عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِسْمَةً. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا وَجْهَ اللَّهِ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرْتُهُ؛ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: ( رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ).
"فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ": تغير لونه من الغضب.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ( وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ) (القلم:48)، قال: تغاضب كما غاضب يونس".
وأخرج البخاري أيضًا عن أبي بكر -رضي الله عنه- موقفًا مشابهًا، فعن عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما-: "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا -أي نزل عليه ضيوف- فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ -أي أطعمهم- قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ. فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ: اطْعَمُوا. فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ -يقصدون الصدِّيق- قَالَ: اطْعَمُوا. قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا. قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ -أي سيحاسبنا على ذلك-.
فَأَبَوْا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ -سيغضب مني-؛ فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَسَكَتُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَسَكَتُّ. فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا جِئْتَ؛ فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ. فَقَالُوا: صَدَقَ أَتَانَا بِهِ. قَالَ: فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي وَاللَّهِ لا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللَّهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ. قَالَ: لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ وَيْلَكُمْ مَا أَنْتُمْ لِمَ لا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ هَاتِ طَعَامَكَ فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، الأُولَى لِلشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا" -أي أن الشيطان انتزع القسم مني فتعوذ وأكل على أن يكفر عن القسم فيما بعد-.
ومعنى "رهطًا": ما دون العشرة من الرجال.
"دونك": خذهم وألزمهم.
"قراهم" ضيافتهم.
"يجد" يغضب.
"يا غنثر" كلمة شتم، أي: يا جاهل، أو أحمق، أو ثقيل، أو سفيه، أو لئيم.
"الأولى للشيطان": الكلمة الأولى التي تكلم بها وأقسم ألا يأكل.
ولذا فقد مدح الله -تعالى- أهل الإيمان بأنهم لا يلعب بهم الغضب؛ فقال: ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:134).
قوله -تعالى-: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ): كظم الغيظ رده في الجوف؛ يقال: كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره، مع قدرته على إيقاعه بعدوه، وكظمت السقاء: أي ملأته وسددت عليه.
قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير الآية: "والغيظ أصل الغضب، وكثيرًا ما يتلازمان، لكن فُرقان ما بينهما، أن الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما ولابد؛ ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله -تعالى- إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم".
مدح الله -تعالى- الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال: ( وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) (الشورى:37)، وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ )، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك.
ووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملك النفس عند الغضب أحاديث؛ وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) (متفق عليه).
وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللهِ، مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
قال العرجي:
وإذا غضبت فكن وقورًا كاظمًا للغيظ تبصر ما تقول وتسمع
فـكـفى به شرفـًا تـصبر ساعة يرضى بها عنك الإله وترفـع
وقال عروة بن الزبير في العفو:
لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام
ويُشتموا فـترى الألوان مشـرقة لا عفو ذل ولكن عفو إكـرام
عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).
الدعاء علاج للغضب: