شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اللهم احشرنا مع عائشة وأجرنا مِنْ دار مبغضيها

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

1- الآية ليست نصًّا فيما زعم من التكفير؛ لأن الآية وردت بلفظ "الظلم"، نعم المراد به: الظلم الأكبر، ولكن هذا لا يُعلم إلا من سياق الآيات، ولكن الخبيث عدل عن ذكر الآيات بتمامها؛ لأنه إذا رجعنا إلى سياق الآيات؛ لوجدنا أن الله -عز وجل- عد هذا القول ظلمًا وكفرًا وزورًا؛ لأن قائليه زعموا أنه -صلى الله عليه وسلم- مسحور في ما جاء به من القرآن والوحي، لا في أمر يتعلق بالبدن، فتدبر أول الآيات: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا. وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَسْحُورًا ) (الفرقان:4-8) .

فهذه كلها في طعن المشركين على القرآن الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتهمونه بأنه سِحر أو أثر للسحر، فمن قال أن القرآن سحر أو أثر للسحر؛ فهو مشرك كافر.

فأين هذا من إثبات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُحر في أمر يتعلق بالبدن خصوصًا أمر النساء مما لا تعلق له بالوحي ولا بقلب النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أنزل عليه القرآن؟!

2- أن إثبات وقوع السحر على البدن عارض من عوارض البشرية كالمرض وغيره قدَّر الله وقوع هذا على الأنبياء كما قدَّر وقوع سائر الأذى مِن أعداء الله من الإنس؛ رفعًا لقدرهم، وإقامة للحجة على كل مَن تُسوِّل له الشياطين فيما بعد الغلو فيهم كالـ"شيعة" -قبحهم الله-.

3- ولم تنفرد السنة بإثبات أثر السحر على الأنبياء؛ بل ورد هذا في القرآن أيضًا كما ذكر الله ذلك في شأن موسى -عليه السلام- ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) (طه:66) ، وذكره في شأن أيوب -عليه السلام- في قوله -تعالى-: ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) (ص:41) .

4- روايات سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تنفرد بها كتب السنة؛ وإنما وردت في كتب الشيعة عن علي -رضي الله عنه- ، فهل سيكفِّر ذلك البغيض عليًّا هو الآخر أم ماذا؟!

وقصة خبر سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكرها المجلسي في "بحار الأنوار" بسنده عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: "سحر لبيد بن الأعصم اليهودي وأم عبد الله اليهودية رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فعقدوا له في إحدى عشرة عقدة، فأقام النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يأكل ولا يشرب، ولا يسمع ولا يبصر، ولا يأتي النساء"، وواضح أن الرواية الشيعية فيها من المبالغات المعروفة عن الشيعة زيادة على ما ذكرتْ كتب السنة.

5- نحن نجيب على مذهب السنة، ولا يلزمنا قول المعتزلة ولا الأشاعرة، وإن كانوا يُنسَبون إلى السنة في الجملة، أي: أنهم ليسوا بشيعة، ولكن من المهم التأكيد على أن من ظن منهم أن هذه الأحاديث تخالف القرآن أو تخالف العصمة لم يرمِ عائشة -رضي الله عنها- بالخطأ فضلاً عن الكذب؛ وإنما رموا من دونها؛ لأنه إن كان البخاري ورجاله ثقات والحديث مشكل؛ فلن تكون عائشة -رضي الله عنها- هي أدنى سلسلة السند؛ لكي يقولوا: "إن الآفة مِن قِبَلها"، وهذا نقرره حتى لا يظن ظانٌّ أن كل مَن أنكر أحاديث سحر النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى رأيه الكفري في عائشة -رضي الله عنها-.

6- هذا الخبيث يرمي النبي -صلى الله عليه وسلم- بما هو أشد مِن تأثير السحر فيه؛ وهو أن تكون زوجته بهذه الدرجة من السوء -على حد كذبهم-، والسحر متى ترتب عليه أذى في البدن؛ كان مِن البلاء القدري الذي لا حيلة للإنسان فيه إلا الأخذ بالأسباب وانتظار الفرج مِن الله، بينما يملك أن يُطلِّق امرأة السوء لا سيما إن خشي على دين الناس منها، وأما أن يعيش ويموت وهو راضٍ عنها كما صح أنه استأذن أزواجه -رضي الله عنهن- أن يمرَّض في بيت عائشة -رضي الله عنها-، وهو ما أقر به الخبيث؛ إلا أنه قلبه تهمة في حقها مِن أنها تعمدت قتله -صلى الله عليه وسلم- بوضع السم له بدلاً من الدواء، وهي كذبة انفرد بها عن سائر كذابي الشيعة.

وهذا كله طعن في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن الخلوص منه إلا بدعوى أن هذا الوهم منه والانخداع في عائشة -رضي الله عنها- كان من عوارض البشرية، فقول هذا في السحر من باب أولى، مع أن هذا التأويل لا يخلص لهم؛ لأنهم يزعمون أن دلائل كفر عائشة وحفصة ومِن قبلهما أبي بكر وعمر -رضي الله عن الجميع- كانت بادية ظاهرة، فإن لم يكن هذا طعن في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما هو الطعن -إذن-؟!

الشبهة الثانية:

وهي زعمه: أن عائشة -رضي الله عنها- كانت فاحشة، استدل على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا عَائِشَةُ لا تَكُونِي فَاحِشَةً )، وبتر القصة؛ حتى لا يتضح أن غضبه كان مِن أجل أسياده من اليهود لا من أجل الإسلام؛ لأن القصة بتمامها فيها أنها غضبت على اليهود من أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهدأ من روعها بهذا القول، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُنَاسٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالُوا: "السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ"، قَالَ: ( وَعَلَيْكُمْ )، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: "بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَالذَّامُ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يَا عَائِشَةُ لا تَكُونِي فَاحِشَةً )، فَقَالَتْ: "مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟!"، فَقَالَ: ( أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ الَّذِي قَالُوا، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ ) (متفق عليه) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية