الدعوة السلفية
محمود عبد الحميد • قضايا دعوية
ويقوم هذا المنهج الرباني على فهم الكتاب والسنة بفهم أعلم الناس بالكتاب والسنة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تزكية معتقد الصحابة وأصول إيمانهم ظاهرة الدلالة.
قال الله -تعالى-: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) (البقرة: من الآية137)
وقوله -تعالى-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: من الآية110)
وقال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: من الآية143)
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) .
تقتضي الربانية في المنهج والمصدر أن لا يكون هناك معصوم إلا من عصم الله من الأنبياء والمرسلين، والكتب المنزلة عليهم، وعلى ذلك فليس هناك معصوم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والرسالة التي جاء بها -صلىَّ الله عليه وسلم- وهذا يقتضي أن ندرك أن العالم معرض للخطأ.
وأنه لا يجوز لمن استبانت له سنة رسول الله -صلىَّ الله عليه وسلم- أن يدعها لقول أحد من الناس وهذا إجماع، ويقتضي أن يكون العباد غير متعبدين بقول أحد من البشر إلا بقوله -صلىَّ الله عليه وسلم- ولذلك فهم لا يسألون عن أحد من البشر في قبورهم إلا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هل أجابوه أم كذبوه، ولكن ينبغي مع ذلك تقدير العلماء ومعرفة قدرهم، وأن نحمل أقوال علمائنا وآراءهم على المحمل الحسن، وألا نسيء الظن بهم، وإن خالفناهم ولم نأخذ بقولهم، فلا يعني عدم الأخذ بقول عالم -لأن الدليل يخالف قوله- أن نستبيح عرضه ونأكل لحمه، فينبغي أن نبقي حرمة العلماء مصونة من الطعن، وعلينا أن نلتزم منهج السلف الصالح في بيان الحق مع التماس العذر للمخالفين، وهذا يقتضي احتمال الاختلاف السائغ المعتبر الذي لا يتعارض مع نص من الكتاب والسنة أو إجماع قديم أو قياس جلي، وعدم احتمال الخلاف غير السائغ الذي يصطدم مع النصوص أو الإجماع أو القياس الجلي، وهذا يقتضي أيضًا محاربة هذا النوع من الخلاف، والرد على الأقوال الفاسدة والباطلة ونشر السنة ومحاربة البدع والضلالات.
ونحن إذا كنا نقدر علماء الأمة، ونعرف منزلتهم، ونشكر لهم جهودهم، ونثني عليهم بما هم أهل له، إلا أننا لا نقدس الأشخاص، ولا نتغاضى عن الأخطاء ولا نسكت عن الحق، ونستحضر في هذا المقام قول مالك بن أنس -رَحمه الله-: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وقول ابن القيم: وكان أحمد إذا وجد نصًا أفتى بموجبه ولا يلتفت إلى ما خالفه من قولٍ كائنًا من كان قائله، وقول الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، والمجتهد مأجور على كل حال إما بأجر أو بأجرين، قال -صلىَّ الله عليه وسلم-: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) . فهذا الحديث يدل على أن المجتهد مأجور على كل حال، لكنه ليس مصيبًا في كل الأحوال.
من السمات التي اكتسبتها الدعوة بكونها ربانية:
1- العموم:
الدعوة لما كانت ربانية فإنها اكتسبت هذه السمة التي تميز بها المنهج الإسلامي الذي جاء به رسول الله -صلىَّ الله عليه وسلم-، وهو منهج لجميع البشر على اختلاف أشكالهم وأجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعاداتهم وأعرافهم، وليست خاصة بقوم دون قوم أو بشعب دون شعب أو أمة دون أمة، قال -صلىّ الله عليه وسلم-: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود) ، قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) (سـبأ: من الآية28)، كما أنه منهج لكل العصور من أول بعثة رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يقبل النسخ ولا الإلغاء ولا التغيير ولا التعديل ولا الإيقاف ولا التعطيل لظرف من الظروف.
قال الله -تعالى-: (لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس: من الآية64) وقوله -تعالى-: (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) (الأنعام: من الآية34) وقال -تعالى-: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الكهف:27)
2- الشمول:
لما كانت الدعوة ربانية كانت -ولا بد أن تكون- دعوة شاملة لكل مناحي الحياة منظمة لعلاقة الإنسان بربه من الناحيتين العلمية والعملية، وكان لابد أن يكون منهج الدعوة شاملاً لقضايا العقيدة والعبادة، ومنظما لها على أسس علمية وعملية قويمة، وشاملاً كذلك للأحكام المتعلقة بأمور المعاملات، والأخلاق والقيم والمثل العليا، وأسس التعاون والاجتماع على البر والتقوى، كما أنها شاملة لقواعد التربية القويمة، وتنمية روح المراقبة للنفس.
فإن المنهج الإسلامي جاء شاملاً لكل شيء حتى تعليم الناس دخول الخلاء، قالت اليهود لسلمان: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل.
وقال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً) (المائدة: من الآية3)
وقال -تعالى-: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: من الآية38) وقال -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: من الآية89)
3-اليسر ورفع الحرج:
