شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

ومن خصائص المنهج السلفي الاتجاه نحو التيسير ورفع الحرج، لأن هذا هو المنهج الذي جاء به رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- في الأحكام والتكليفات، فلا تكليف بما فيه حرج شديد قال -تعالى-: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286) وقوله -تعالى-: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: من الآية78)، وقوله -تعالى-: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: من الآية185) وقوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طـه:2) وقوله -صلىّ الله عليه وسلم-: (إن هذا الدين يسر) ، وقوله -صلىّ الله عليه وسلم-: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا) ، وهذا واضح في التشريع الإسلامي.

في قوله -صلىّ الله عليه وسلم-: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فصل على جنب) ، وقوله -تعالى-: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (النساء: من الآية43)، وقوله -تعالى-: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: من الآية184)

وقوله -تعالى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: من الآية97)

وقوله -تعالى-: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)

وروى البخاري: (ما خُير رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه).

وقوله -صلىّ الله عليه وسلم-: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) .

وقال الشاطبي -رَحمه الله-: (إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع).

وقوله -تعالى-: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) (البقرة: من الآية280)

وقوله -تعالى-: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:91)

وقوله -تعالى-: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (الفتح: من الآية17)

وإن رفع الحرج والتيسير والسماحة والسهولة في هذا المنهج راجع إلى الوسطية فلا إفراط ولا تفريط، فالتنطع والتشديد حرج في جانب عسر التكليف، والإفراط والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطيل المصالح، وعدم تحقيق مقاصد الشرع، ورفع الحرج والتيسير ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة في طريق الامتثال لأوامر الله تعين على تحقيق الغاية، وهي تحقيق العبودية لله وحده؛ فليس معنى اليسر ورفع الحرج أن نلتمس التخفيفات ونتتبع مواطن الرخص، ونبحث عن الأسهل بعيدًا عن منظور الشرع، ونتلمس زلات وعثرات العلماء فإن ذلك يؤدي إلى الانسلاخ من الأحكام، والابتعاد عن الشرع والتهاون في مسائل الحلال والحرام في المطاعم والمشارب والمعاملات المالية، فلا يجوز أن تنقلب الوسائل إلى غايات وأن تتغلب الوسائل على الغايات.

وليس رفع الحرج واليسر أن تمتنع المشقة بالكلية بل لا يخلو عمل من نوع مشقة لكنها مشقة واقعة تحت حد الاستطاعة فالتكليفات فيها نوع مشقة ولو لم يكن فيها غير مخالفة الهوى لكانت نوع مشقة فهي إذًا مشقة معتادة لا يمتنع التكليف معها.

فالتيسير والتسهيل في المنهج الإسلامي يتعدد طرقه بحسب الحاجة ومقتضيات الحال:

1-إنقاص التكليف وهذا عمن لا يطيقه أو يطيقه ولكن بمشقة كبيرة كقصر الصلاة الرباعية في السفر.

2-إبدال التكليف بتكليف آخر أخف منه، وذلك عندما يغدو التكليف الأول شاقًا مثل التيمم عند عدم وجود الماء أو بعده أو العجز عن استعماله.

3-تقديم التكليف عن موعده أو تأخيره في العبادات المؤقتة كالجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة وجمع الصلاة للمسافر وتأخير أداء الصوم للحائض إلى ما بعد الطهر منه.

4-التيسير برفع التكليف أصلاً والإعفاء منه عندما لا يكون هناك طريق لربع المشقة في تطبيقه كما في إعفاء الحائض من الصلاة بالكلية وكذا النفساء وإعفاء الفقير من الحج.

5-قد يكون التيسير بإباحة المحرم والممنوع وذلك في حالة الاضطرار كأكل الميتة لمن خاف على نفسه الهلكة ولا شيء عنده غيرها قال -تعالى-: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة: من الآية173)

الأمر الثالث

المنطلقات التي تنطلق منها دعوة الحق

المنطلقات التي تنطلق منها الدعوة إلى الله -تعالى- لابد أن تكون منطلقات شرعية حتى تتحقق النتائج المرجوة من الدعوة وحتى يُشاء لهذه الدعوة الاستمرار والبقاء، لأن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض، ولابد من أن تكون المنطلقات هي منطلقات دعوة الأنبياء والمرسلين إذ هم خير الدعاة إلى الله عزَّ وجل.

فالمنطلق الأول كون الدعوة عبادة لله:

فينبغي أن تنطلق الدعوة من كونها عبادة لله -عزّ وجل- فإذا كانت كذلك فإن الداعي إلى الله -عزّ وجل- يبذل جهده ابتغاء المثوبة من الله -سبحَانه وتعالى-، وكذلك يستمر في دعوته غير مُقصر ولا متوان ولا مفرط؛ لأنها عبادة وقربة لله -تعالى- والله -سبحَانه وتعالى- قد أقر بالدعوة إليه فقال -سبحَانه وتعالى-: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104)

وأمر الله -سبحَانه وتعالى- بالدعوة وعلق الفلاح عليها وقال -سبحَانه وتعالى-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (آل عمران: من الآية110)

الصفحة السابقة الصفحة التالية