الدعوة السلفية
محمود عبد الحميد • قضايا دعوية
فجعل الله الخيرية في الأمة حال كونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وقال -تعالى-: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران:114)
فوصف الله القائمين بأمر الدعوة بالصلاح وقال -تعالى-: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء:114)
فجعل الله خير الكلام هو ما كان أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر، وقال -تعالى-: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:79،78)
لعنهم الله لتركهم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله وقال -تعالى-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (لأعراف:165)
فكتب الله -سبحَانه وتعالى- النجاة للدعاة إلى الله وأهلك الباقين وقال -تعالى-: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف:199)
فأمر الله بالأمر بالمعروف، وقال -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71)
فوصف الله -سبحانه- المؤمنين بأنهم يقومون بواجب الدعوة إلى الله -عزّ وجل- يتولى بعضهم بعضًا في ذلك، وقال -تعالى-: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج:41) فذكر ربنا -سبحَانه وتعالى- صفات الممكنين في الأرض ومنها الدعوة إلى الله.
فضل الدعوة إلى الله:
ورد في فضل الدعوة والدعاة آيات وأحاديث كثيرة ومن ذلك قوله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33)
فهذه الآية الكريمة فيها التنويه بالدعاة والثناء عليهم وأنه لا أحد أحسن قولاً منهم وعلى رأسهم الرسل عليهم -الصلاة والسلام- ثم أتباعهم على حسب مراتبهم وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي -صلىّ الله عليه وسلم- قال: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ، وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي -صلىّ الله عليه وسلم- قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ننقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئًا) ، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال لعلي -رضي الله عَنه-: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم) .
وهذا يدل على أن الداعي يُعطى مثل أجور من هداه الله على يديه، ولو كان في آلاف الملايين، فيأخذ مثل أجورهم وإدراك هذا الفضل العظيم للدعوة إلى الله يجعل المسلم يجتهد في ذلك.
وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (أن ا لله وملائكته وأهل سماواته وأرضه حتى النملة في جحرها والحيتان في البحر ليصلون على معلم الناس الخير) .
الترهيب من التقصير في الدعوة إلى الله:
قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:174)
وأخبر الله -تعالى- أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى ملعون وذلك في قوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ) (البقرة:159)
وقال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187)
قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم شيئًا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة.
وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) (آل عمران: من الآية187)
وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (من سئل عن علم علمه وكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) .
كون الدعوة عبادة لله تعالى يستلزم شروطًا:
1-الإخلاص: إذا كانت الدعوة عبادة لله -عزّ وجل- فهي تفتقر إلى الإخلاص، لأن العبادة لا تُقبل عند الله -تعالى- إلا إذا كانت خالصة له وحده، فالله أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملاً أشرك فيه معه غيره تركه الله وشركه بل وأحبط عمله، قال -تعالى-: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (الزمر: من الآية65)
