شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

فالدعوة ينبغي أن تتكون خالصة لله عزّ وجل كما أمر في قوله -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) (يوسف: من الآية108)، فلا ينبغي أن يدعو إلى فكرة أو فلسفة أو أيدلوجية أو مذهب أو منهج أو طريقة خلاف ما جاء به رسول الله صلىّ الله عليه وسلم لأن العبادة لابد لها من إخلاص ومتابعة، قال -تعالى-: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف: من الآية110)

وقال -تعالى-: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة:5)

وعلى ذلك: فعلى الداعية أن لا يقصد من دعوته سمعة ولا جاهًا ولا منصبًا ولا لفت أنظار الناس إليه وتكثير الأتباع وغير ذلك من المقاصد الدنيوية؛ فإن ا لخطر يهدد الداعية هو أن يكون قاصدًا للدنيا وقاصدًا للمال، فالداعية قد يكون مهددًا بأن يكون قصده كسب ثناء الناس ومدحهم أو التفاخر بالأتباع، فإن بعض الدعاة يفتخر بأنه يحضر محله ألف أو ألفان ويحضر درسه المئات ويحضر خطبته جماهير غفيرة، فينبغي أن يتنبه الداعية إلى أن الدعوة واجبة عليه، فهو أجيرٌ ينفذ ما أمره الله به بغض النظر عن الكثرة أو القلة من الأتباع طالما أنه يقوم بما أمره الله به. قال -صلىّ الله عليه وسلم-: (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله يريد به عرض الدنيا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) ، وصح عن النبي -صلىّ الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلىّ الله عليه وسلم- ذكر أول من تسعر بهم النار ثلاثة فيهم: (رجل عالم قارئ جيء به فعرفه الله -جل وعلا- نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها قال: تعلمت فيك العلم وعلمته، قال: كذبت بل تعلمت ليقال عالم وقد قيل، ثم يأمر به إلى النار) .

2-الصدق: ينبغي أن تكون أقوال الداعية وأفعاله كلها تنطق بالصدق قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119) فلابد للداعية من أن يحمل هذه الدعوة بصدق، وأن يؤديها بأمانة، قال -تعالى-: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ) (محمد: من الآية21)، وقال -تعالى-: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23).

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن العبد ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا) .

والصدق كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هو الفارق بين الإيمان والنفاق.

قال -تعالى-: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون:1)

فشهد الله على أهل النفاق بأنهم كاذبون وشهد لأهل الإيمان بالصدق فقال -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15).

وقال -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر:8).

فالداعية ينبغي أن يصح قصده، وتصدق نيته، وتتجرد للخير إرادته، وأن يراعي معنى الصدق فيما يناجي به ربه كقوله: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: من الآية79)

فإن قلبه إن كان منصرفًا عن الله مشغولاً بأماني الدنيا وشهواتها، فهو كاذب فإذا كانت الدعوة عبادة لله، وهو عبدٌ لله فلا ينبغي أن يكون عبدًا لنفسه أو لدنياه أو لشهوته، قال -صلىّ الله عليه وسلم-: (تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم) .

فسمى كل من تعبد قلبه لشيء عبدًا له، وإنما العبد الحق لله -عزّ وجل- من أٌعتق من غير الله -تعالى- واشتغل بالله وبمحبته وتقيد ظاهره وباطنه بطاعته فلا بكون له مراد إلا الله وأخيرًا، فالصدق هو استواء السر والعلانية بأن يكون الباطن مثل الظاهر أو خيرًا من الظاهر.

3-الصبر: القائم بأمر الدعوة إلى الله لابد أن يُبتلى، فإذا ابتلى فليس له إلا الصبر فلقد بين ربنا -سبحَانه وتعالى- هذا في كتابه العزيز في قوله -تعالى-: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ، أي أنهم كما تواصوا بالحق أوذوا في الله فصبروا على ذلك ابتغاء مرضات الله.

وقال -تعالى- في سورة لقمان: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان:17)، أي أنه لما أمر ونهى أصابه ما أصباه من البلاء فينبغي أن يصبر على ذلك، والصبر هو حبس النفس على ما تكره فلابد للداعية من الصبر على الابتلاء والصبر على الدعوة حتى لا يمل من طول الطريق؛ لأن الإنسان من شأنه العجلة وعدم الصبر لكن إذا تكلف الصبر صبره الله قال -صلىّ الله عليه وسلم-: (ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر) ، فهو خير وأوسع من المال والجاه والمنصب الرفيع ومن كل شيء.

فكم من إنسان يبدأ بالدعوة إلى الله فيواجه بالإيذاء والتكذيب وبالسخرية فيترك الدعوة إلى الله -جل وعلا- لأنه لم يتميز بالصبر قال -صلىّ الله عليه وسلم-: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية