الدعوة السلفية
محمود عبد الحميد • قضايا دعوية
وقال -جل وعلا-: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (آل عمران:186)
فالداعية بالذات يحتاج إلى الصبر؛ فسيجد الداعية من يشك في نيته، قال -تعالى-: (وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) (صّ:6) ، وقال -تعالى-: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ) (يونس: من الآية78).
وسيجد الداعية من يرفض قبول دعوته فعليه أن يصبر، وسيجد من يترك الدعوة ممن كان يأمل فيهم خيرًا فضعفوا وتخلوا فيجب أن يصبر، وسيجد من أقرانه من يؤذيه وينال منه فينبغي أن يصبر، والصبر يكون بالله ولله ومع الله.
فصبرك بالله: استعانة به ورؤية أنه المصير وأن صبرك بربك لا ينفك (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ ) (النحل: من الآية127)
والصبر مع الله: هو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ودورانه مع أحكامه الدينية صابرًا نفسه فيها سائرًا بسيرها.
4-العلم: على الداعية أن يتحلى بالعلم في دعوته لن الدعوة عبادة، والعبادة لابد لها من دليل شرعي، والعلم كما قال ابن عبد البر وغيره من العلماء: أجمع المسلمون على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة القول بدليله، فالعلم إذًا هو المعرفة الحاصلة عن الدليل وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد فالمتعبد بالهوى، والمقلد الأعمى ليس من زمرة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
أما المقلد الذي يجهد ويكدح في رد ما جاء به رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- إلى قول مقلده ويضيع ساعات عمره في التعقب والهوى ولا يشعر بتضييعه، تالله إنها فتنة عمت فأعمت، ورمت القلوب فأصمت، ربا عليها الصغير وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا، ولما عمت بها البلية وعظمت بسببها الرزية بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها ولا يعدون العلم إلا إياها فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعتاد وقالوا لإخوانهم: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر: من الآية26)
فحقيق لمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه، ولم يحبس نفسه عليهم فما هي إلا ساعة حتى يُبعثر ما في القبور ويحصل ما في ا لصدور وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وعن سنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين.
وقد حرم الله -سبحانه- القول عليه بغير علم وجعله من أعظم المحرمات، فقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف:33)
وقال -تعالى-: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النحل:116، 117).
وقال -تعالى-: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36)
وقال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (الحج:8)
ولأن الداعية إذا ذهب يدعو بغير علم فلربما أمر بما نهى عنه الشرع، ولربما نهى عن ما أمر به الشرع، ولربما صدَّ عن سبيل الله وهو يظن أن يدعوا على الله.
الثمرة الخامسة - الديمومة:
أي استمرار الدعوة وعدم انقطاعها، وذلك إذا كانت الدعوة عبادة فلا يتصور التقصير فيها أو التفريط أو الانقطاع عنها، لأن العبادة لا تسقط إلا بالوفاة أو العجز عنها، ومن المعلوم أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، ولذلك كان علم رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- ديمة وكان إذا عمل عملاً داوم عليه، وقال -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) وحتى إذا لم يجد الداعية استجابة من المدعوين فإنه لا ينقطع عن دعوتهم؛ لأنه مأمور بها وليس مأمروًا بتحقيق النتائج فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والهداية التي هي خلق الإيمان والهدى والتقى في قلوب العباد إنما هي بيد الله، وليست بيد أحد سواه، وبالتالي فإن الداعية ينبغي عليه أن يستمر في دعوته بغض النظر عن النتائج وبغض النظر عن كثرة الأتباع أو قلتهم، وأن الداعية مأجور على دعوته إذا قام بها ولذلك ينبغي أن يكون انشغال الداعية بما أوجب الله عليه من إبلاغ الحق واستفراغ الوسع والطاقة في ذلك، قال تعالى عن نوح عليهِ السلام: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَاراً وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) (نوح5، 10).
