شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

فنوح -عليه السَلام- استمر في دعوته في جميع الأوقات بالليل والنهار، واستخدم جميع الوسائل في دعوته في دعوة الأفراد وفي العلن في مجتماعاتهم ونواديهم مع أن الذين استجابوا له كانوا قلة، ولكنه استمر يؤدي ما أوجب الله عليه من الدعوة ألف سنة إلا خمسين عامًا.

واعلم أيها الداعية أن الله جعلك حاملاً لمشعل الهداية ودعوة الخير للناس جميعًا فأنت تبلغ كلام الله ودينه -سبحَانه وتعالى- للناس كافة وحين تعرض وتتنكب الطريق فالبديل هو غيرك ممن يقوم بهذه الأمانة، قال -تعالى-: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد: من الآية38)

وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة:54)

وهذا نبي الله يوسف -عليه السَلام- وهو في السجن يعاني لوعة الغربة وألم البعد وقهر الظلم لا يترك الدعوة إلى الله بل حين يسأله السجينان معه عن تأويل الرؤيا يبدأ بقوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) (يوسف: 39، 40).

وهذا نبي الله يعقوب -عليه السَلام- عند وفاته في آخر ساعة من حياته لا ينسى الدعوة إلى الله -تعالى-: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:133)

مراعاة السنن الكونية:

إن ما يقع في هذا العالم من حوادث ومجريات لا يقع صدفة ولا خبط عشواء وإنما يقع ويحدث وفق قانون عام دقيق ثابت لا يخرج عن أحكامه شيء.

والبشر يخضعون لقوانين ثابتة يسميها القرآن بالسنن في تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يحكمون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش، والسعادة والشقاء، والعز والذل، والرقي والتأخر، والقوة والضعف، وما يصيبهم في الدنيا والآخرة من عذاب أو نعيم.

ولا شك أن معرفة سنن الله الكونية من جملة الدين وهذه المعرفة ضرورية ومن الواجبات الدينية؛ لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني وبذلك ننجو مما حذرنا الله منه ونظفر بما وعد الله به عباده المؤمنين المتقين، لأن هذه السنن تتسم بالثبات والإطراد والعموم فهي ثابتة لا تتغير.

قال -تعالى-: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب:62)

وقال -تعالى-: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) (فاطر: من الآية43)

وهي مطردة لا تتخلف، ويدل على اطرادها أن الله -تعالى- قص علينا أحوال الأمم السابقة وما حل بها، لنتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم، ولولا اطرادها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها.

قال -تعالى-: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:137، 138).

وقال -تعالى-: (فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى* فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) (النازعات: 23، 26).

وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:51)

ومن ذلك: سنة الله في الأسباب والمسببات:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات).

وقال ابن القيم رَحمه الله -تعالى-: (والله أمر بالقيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره، وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلها؟) (مدارج السالكين ج3/478).

وذلك لأن إسقاط الأسباب والإعراض عنها، وعدم مباشرتها بحجة التوكل على الله يفضي بفاعل ذلك إلى مخالفة الشرع؛ فإن الله -تعالى- قد أمر بالأخذ بالأسباب، فمن أعرض عنها فإنما يعرض عما أمره الله -تعالى- وكان بعض الناس يقولون: إن من تمام التوكل ألا يحمل المتوكل الزاد في سفره للحج وغيره من الأسفار، فيدخل في الصحراء بلا زاد ولا ماء اتكالاً على الله -تعالى-.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحمه الله- في رده على هذا القول: (وهذا القول وأمثاله من قلة العلم بسنة الله في خلقه وأمره فإن الله -تعالى- خلق المخلوقات بأسباب، وشرع للعباد أسبابًا ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة، فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه، وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسبابًا لها فهو غالط).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في قول النبي -صلىّ الله عليه وسلم-: (أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) : أمر بالتسبب المأمور وهو الحرص على المنافع وأمر مع ذلك بالتوكل وهو الاستعانة بالله؛ فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين. (الفتاوى لابن تيمية 1/359).

الصفحة السابقة الصفحة التالية