شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (8/359): (فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو ويحمل السلاح ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمره الله به من الجهاد، ومن تَرك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط مذموم)

ومن هذا يتبين لنا أن الله خلق الأشياء مرتبة على أسباب، وأمرنا أن نأخذ بهذه الأسباب إذا كانت ممكنة لنا مع الاعتماد على الله -تعالى- لا على الأسباب، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها، وهذه هي حقيقة التوكل يباشر المسلم الأسباب، وثقته بالله واعتماده عليه كالفلاح في أرض تسقى بماء المطر يحرث الأرض ويلقي البذور واعتماده على الله في إنزال المطر وإخراج الزرع.

وليكن معلومًا أن السبب يستوجب مسببه إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه، فالأكل مثلاً سبب للغذاء والشبع واستدامة الحياة، وليكن بشرط صلاحية أعضاء الإنسان الضرورية لتلقي الطعام والاستفادة منه وانتفاء الموانع التي تعيق عمل هذه الأعضاء في انتفاعها من الأكل.

قال الإمام الشاطبي في (الموافقات 1/218): (وأما إذا لم تفعل الأسباب على ما ينبغي ولا استكملت شرائطها ولم تنتفِ موانعها فلا تقع مسبباتها شاء المكلف أو أبى، لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها باختياره، وأيضًا فإن الشارع لن يجعلها أسبابًا مقتضية لمسبباتها إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سببًا شرعيًا سواء عليها أقلنا أن توافر الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا فالثمرة واحدة).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع).

وهذا الأمر فيه تنبيه للعبد حتى لا يقول أخذت بالأسباب ولم تتحقق النتائج لأنه ليس شيءٌ من الأسباب مستقلاً بمطلوبه، بل لابد من انضمام أسباب أخرى إليه وهي التي تسمى بالشروط، ولابد من انتفاء الموانع التي تمنع من تحقق النتائج المترتبة على هذه الأسباب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: (فلابد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه بل لابد من انضمام أسباب أخرى إليه ولابد أيضًا من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له والطعام والشراب لا يغذي على بما جعل الله في البدن من الأعضاء والقوى).

وكذلك إذا كان الإنسان عاجزًا عن بعض الواجبات فإنها تسقط عنه كمن عجز عن القيام أو القراءة أو الركوع أو السجود أو شد العروق واستقبال القبلة أو غير ذلك؛ سقط عنه ما عجز عنه (بل ينبغي أن يعرف أن الاستطاعة الشرعية المشروطة في الأمر والنهي لم يكتف الشارع فيها بمجرد المكنة ولو مع الضرر بل متى كان العبد قادرًا على الفعل مع ضرر يلحقه جعل كالعاجز في مواضع كثيرة من الشريعة. (مجموع الفتاوى 8/353).

من هذه السنن الكونية: سنة الله في اتباع هداه والإعراض عنه:

1-هدى الله هو الهدى فمن ابتع غير هدى الله ضل وغوى، قال -تعالى-: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:120)

2-هدى الله هو الإسلام، قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (التوبة: من الآية33)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام) (آل عمران: من الآية19)

3-من يترك هدي الله يتركه الله وما اختاره، قال -تعالى-: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115)

4-لا حزن ولا خوف على متبع هدي الله، قال -تعالى-: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:38)

5-طيب العيش لمتبع الهدي، والعيش الضنك للمعرض عنه، قال -تعالى-: (ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى* وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه: 124، 127).

سنة الله في التدافع بين الحق والباطل:

التدافع بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل أي بين المؤمنين وغيرهم، لأنهم هم الذين يحملون معاني الحق أو معاني الباطل، ويسعون إلى إظهار هذه المعاني في الخارج وإقامة شؤون الحياة على أساسها فيحصل التعارض والتزاحم والتدافع بين الفريقين بين أصحاب الحق أي بين المؤمنين وبين غيرهم وهذا التدافع أمر لابد منه، لأنهما ضدان والضدان لا يجتمعان، ولأن تطبيق أحدهما يستلزم مزاحمة الآخر وطرده ودفعه وإزالته أو على الأقل إضعافه ومنعه من أن يكون له تأثير في واقع الحياة فأهل الباطل لا يكفيهم بقاؤهم على باطلهم وإنما يسعون على وأد الحق وأهله وإزالة هذا الحق بالقوة وصد الناس عنه ببذل المال وبالقتال وبكل ما يرون فيه قوة وقدرة لتحقيق ما يرون.

الصفحة السابقة الصفحة التالية