شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

لابد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من استعمال الرف فيما يأمر وينهى، فإن الله -تعالى- يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف، وقال -تعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: من الآية125)، فمن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف، فإنها تضر أكثر مما تنفع، وينبغي أيضًا البعد عن الغرور والكبر، فربما يغتر الداعية بنفسه فينظر إلى نفسه أنه أفضل من الآخرين، فيتعالى على الناس، ويحتقر الناس والمفروض أن ينظر إلى الناس نظرة إشفاق لا نظرة احتقار قال المسيح -عليهِ السلام-: (لا تنظروا في ما في ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد فإن الناس رجلان مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية).

فالداعية ينبغي أن يكون رفيقًا في دعوته، قال -صلىّ الله عليه وسلم-: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه) ، فينبغي على الداعية أن لا يشق على الناس، ولا ينفرهم من الدين بالغلظة والعنف المؤذي الضار، بل عليه أن يكون لين الكلام طيب الكلام حتى تؤثر دعوته في قلوب الناس وحتى تأنس القلوب إليه وتلين، أما العنف فإنه منفر لا مقرب، ومفرق لا جامع.

وقد صح عن النبي -صلىّ الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه مالا يعين على العنف) .

وصح عن النبي -صلىّ الله عليه وسلم- أنه قال: (عليك بالرفق فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم- : (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (إن لله آنية من أهل الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين وأحبها إليه ألينها وأرقها) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدًا؟ على كل هين لين قريب سهل) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (المؤمنون هينون لينون) .

صور من رفقه -صلىّ الله عليه وسلم-:

جاء في الصحيح أن النبي -صلىّ الله عليه وسلم- بينما هو في المسجد إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- مه مه، قال رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم-: (لا تزرموه دعوه) ، فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر إنما هي لذكر الله -عزّ وجل- والصلاة وقراءة القرآن) ، أو كما قال رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم-، قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه، وفي رواية للترمذي أن النبي -صلىّ الله عليه وسلم- قال لأصحابه: (أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلوًا من ماء إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) .

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري تعليقًا على هذا الحديث: وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولاسيما إذا كان ممن يحتاج إلى استئلافه وفيه رأفة النبي -صلىّ الله عليه وسلم- وحسن خلقه، قال ابن ماجة وابن حبان في حديث أبي هريرة، فقال الأعرابي بعد أن فقه في الإسلام فقام إلى النبي -صلىّ الله عليه وسلم-: بأبي هو وأمي فلم يؤنب ولم يسب).

وفي الحديث أيضًا دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، والمبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأمره -صلىّ الله عليه وسلم- إياهم عند فراغ الأعرابي من البول بصب الماء على النجاسة.

وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة قال: إن فتى شابًا أتى النبي -صلىّ الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا مه مه فقال: (ادنه)، فدنا قريبًا: قال فجلس قال: (أتحبه لأمك؟)، قال لا والله جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)، قال: (أفتحبه لابنتك؟)، قال لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لبناتهم)، قال: (أفتحبه لأختك؟)، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: (أفتحبه لعمتك؟)، قال لا والله جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لعماتهم)، قال: (أفتحبه لخالتك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لخالاتهم)، قال: فوضع يده عليه وقال: (اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه)، فلم يكن ذلك الفتى يلتفت إلى شيء بعد ذلك.

2-التواضع:

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم-: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان) .

وهذا الحديث ورد في النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق، والمقصود بأنه لا يدخل الجنة من أول وهلة مع الكبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان لا يدخلها دخول تأبيد وتخليد.

فالداعية ينبغي أن يتواضع ولا يتكبر ولا يتعالى على المدعوين حتى لا يقابل بكبرٍ وتعالٍ أشد من كبره وتعاليه ولا يستجيب له المدعوون، قال الله -تعالى-: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: من الآية88)، وقال -تعالى-: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (الفتح: من الآية29) ، وقال -تعالى-: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (المائدة: من الآية54).

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد) .

والتواضع خفض الجناح للخلق ولين الجانب، وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (قال الله عزّ وجل الكبرياء ردائي والعزة إزاري فمن نازعني فيهما عذبته بناري) .

ومعناه أن الكبرياء والعظمة صفتان لله -سبحانه- واختص بهما لا يشركه أحد فيهما، ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطهما، لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل، فمن تخلق بذلك فيصيرا في معنى المشارك فيقذفه الله في النار.

3-الإلحاح في الدعوة والصبر على المدعو:

الصفحة السابقة الصفحة التالية