شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

قال -تعالى- في حق نوح -عَليه السلام-: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَاراً* وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً* ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً* ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً* فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارا) (نوح 5: 10).

فألح عليهم نوح -عَليه السلام- ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهو يكرر الدعوة ويستغل كل الوقت بالليل والنهار وكل الوسائل في الجهر والسر ومع الجميع فخاطب الأفراد والجماعات.ً

والإلحاح في الدعوة سببه الخوف على المدعو من سوء العاقبة، ولكوننا لا ندري متى يهتدي فينبغي أن نكرر له النصح المرة بعد المرة حتى يقذف الله -سبحَانه وتعالى- في قلبه الهداية.

وفي قصة مؤمن آل ياسين أرسل الله -سبحَانه وتعالى- ثلاثة رسل على أصحاب القرية ومع ذلك جاء الرجل المؤمن ليكرر دعوة الرسل ويدعوهم إلى اتباع الرسل، قال -تعالى-: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (يّـس:21، 20)

وانظر على إصرار النبي -صلىّ الله عليه وسلم- على هداية الناس والحول دون أن يهلكوا أنفسهم في النار، قال -صلىّ الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا ، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ التي تَقَعُ في النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا ، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا ، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا) .

وقال -تعالى-: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف:6)، وقوله -تعالى-: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء:3)، وقوله -تعالى-: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر: من الآية8)

ومعناه أنه -صلىّ الله عليه وسلم- من شدة نصحه لهم كأنه قاتل نفسه، وهذا يدل على شدة نصحه لهم -صلىّ الله عليه وسلم- وحزنه على عدم إيمانهم وذلك شفقة ورحمة بهم، وهذا فيه إشارة إلى مزيد شفقته واهتمامه وحرصه -صلىّ الله عليه وسلم- على موافقة المخالفين وانتظامهم في سلك الموافقين المهتدين.

المنطلق الثالث

الاستطاعة

والمقصود أن الداعية ينبغي أن ينظر إلى قدراته فلا يكلف نفسه مالا يطيق، ولا يكلف نفسه ما لم يكلفه به الله -سبحَانه وتعالى- حتى يستطيع أن يقوم بالواجبات المنوطة به؛ ولأنه إذا كلف نفسه مالا يطيق أو مالا يستطيعه في وقته أو في مكانه الحالي فإن ذلك قد يؤدي على القنوط واليأس إذا وجد نفسه لا يستطيع تحقيق هذه الأشياء التي كلف نفسه بها، وقد يؤدي على التخلي عن الدعوة إلى الله -عزَّ وجل-، أو يؤدي إلى الرعونة والتعجل وعمل أعمال تعود عليه بالضرر العظيم وعلى دعوته كذلك، فينبغي أن تكون حركة الداعية منضبطة متوافقة مع قدرته وطاقته فلا يألوا جهدًا في الدعوة، ولا يتنطع فيشق على نفسه وعلى إخوانه، ولا يمنع ذلك أن تكون هناك آمال عريضة وطموحات كبيرة نسعى لتحقيقها، ولكننا مع ذلك ينبغي أن نتعامل مع الواقع الذي نحياه وأن نحقق في كل وقت ما نستطيع تحقيقه.

فقد ذكر ربنا سبحَانه وتعالى عن شعيب عليهِ السلام أنه قال: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود:88).

فذكر شعيب -عليهِ السلام- أنه يريد الإصلاح كله ولكنه يحقق منه ما يستطيعه وما يقدر عليه.

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وأن أحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (اكلفوا من اعمل ما تطيقون فإن خير العمل أدومه وإن قل) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (أيها الناس عليكم بالقصر، عليكم بالقصر فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا) .

وقال الإمام الشاطبي -رَحمه الله- في (الموافقات 2/89): الفرق بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة أو التي تعد مشقة، هو أنه إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه أو وقوع خلل في صاحبه في نفسه أو ماله أو حال من أحواله فالمشقة هنا خارجة عن المعتادة، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة.

فمن ألزم نفسه فوق طاقتها أو أدى استمراره على العمل إلى انقطاع عنه أو عن أعمال شرعية أخرى من الحقوق المتعلقة بالإنسان فقد غلا، فالمكلف مطالب بتكاليف وأعمال شرعية لابد له منها يقوم فيها بحقوق الله -عزّ وجل- وبحقوق عباده، فإذا أوغل في عمل شاق فربما قطعه عن غيره، وربما أفضى على السآمة والملل وتوفيت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور.

يقول الإمام الشاطبي في (الموافقات 2/107): ثبت في الأصول أن شرط التكليف أو سببه القدرة على المكلف به فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعًا، ولذلك قال رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم-: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية