الدعوة السلفية
محمود عبد الحميد • قضايا دعوية
وقال الحافظ ابن كثير: أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي, كما قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67 ) (المائدة:67 ( .
وهذا ربعي بن عامر -رضي الله عنه- يحاور رستم قائد الفرس, فقد ذكر ابن جرير في روايته خبر خروج ربعي بن عامر وقدومه على رستم، وأن الفرس قابلوه بمظاهرهم الدنيوية من فُرُش الحرير والوسائد المنسوجة بالذهب, وأنه قابلهم بمظهره المتواضع في لباسه وسلاحه ودابته وما قام به من شق وسادتين لهم وربط فرسه بهما إلى ان قال: "فقالوا ضع سلاحك فقال إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم أنتم دعوتموني فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت , فأخبروا رستم فقال: ائذنوا له هل هو إلا رجل واحد, فأقبل يتوكأ على رمحه وزجة نصل يقارب الحظو ويزج النمارق والبسط فما ترك لهم نمرقة ولا بساطاً إلا أفسده وتركه متهكتا مخرقا, فلما دنا من رستم تعلق به الحرس وجلس على الأرض وركز رمحه بالبسط فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لانستحب العقود على زينتكم هذه , فكلمه فقال: ماجاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد على عبادة رب العباد, ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة, ومن جور الأديان على عدل الاسلام, فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا, ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى, والظفر لمن بقي.
فيتبين من ذلك أن الهدف الأسمى من الدعوة إلى الله هو دعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له وبذلك نزلت الكتب أيضاً, قال -تعالى-: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2 ) (الزمر:2) .
فالدعاة إلى الله ينبغى أن يكون هدفهم ان يقولوا للناس أنتم عباد الله, والله ربكم وإلهكم ولابد لكم أن تعبدوه وحده لا شريك له، ونحن نعرفكم كيف تعبدوا الله كما أمرنا الله -سبحانه وتعالى-.
فعلى الدعاة إلى الله ان يعيدوا ترتيب أهدافهم من جديد، وليكن هدفهم الأول تعبيد الناس لله وهدايتهم من الضلالة وإنقاذهم من النار, فالداعية السائر على خطي الأنبياء المقتضي آثارهم جدير بأن يتذكر كل حين ويستشعر كل آن أن غاية دعوته ومنتهى قصده هو تعبيد الناس لله رب العالمين, وأن يعطى سائر أهدافه مكانها الطبيعى وحجمها المعقول, حينما لن يصبح داعية لنفسه ولا لتجميع الناس حول شخص او حتى حول اجتهاداته واقتناعاته .
الهدف الرابع
إقامة الحجة وقطع العذر
فمن أهداف الدعوة إقامة الحجة على الخلق بالبراهين الدافعة التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبالأدلة العقلية التي تدل على صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلى ما جاء به من عند الله- سبحانه وتعالى-, قال الله -عز وجل-: ( رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165 ) (النساء:165).
قال الحافظ ابن كثير: "أى ان الله تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه لئلا يبقى لمعذرٍ عذر".
كما قال -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134 ) (طه:134).
وكذا قوله: ( وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) (القصص:47).
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها منها وما بطن, ولا أحد أحب إليه المدح من الله -عز وجل- ومن أجل ذلك مدح نفسه, ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين)
ومنذرين", وفي لفظ آخر: (من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه) .
وذلك لأن من أهداف بعثة الرسل أن ينذروا الكافرين والمعاندين حتى لا يكون لهم عذر عند الله -تعالى- يوم القيامة, وأتباع الرسل يقومون بهذه المهمة بعد لحوق الرسل بربهم حتى لا يكون للمعاندين منهم حجة أمام الله -عز وجل- يوم القيامة فأتباع الرسول هم خلفاؤه في مهمته إلا النبوة والرسالة كما قال -تعالى-: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) (يوسف:108).
والمدعو إما أن يستجيب للدعوة فيهتدى فيتحقق بذلك الهدف الأول من أهداف الدعوة وهو "تعبيد الناس لله", وإما أن تكون الحجة قد قامت عليه وانقطع عذره عند الله-تبارك وتعالى-.
وخلاصة هذا الهدف أن الداعي إلى الله إن لم يتحقق هدفه الأول ويهتدي من يدعوه إلى الله- تبارك وتعالى- فلا يظنن أن عمله قد ذهب سدي بل قد أدى واجبه الحقيقى وهو إقامة الحجة لله وقطع العذر عن هذا المعاند أمام ربه يوم القيامة.
وقيام الحجة يكون بالبيان الدائم لأصول الاسلام وفروعه بياناً لا يترك في الحق لبساً, ولا يبقى شبهته حتى ينقطع العذر ولا يكون لأحد العدول عن هذا الحق.
الهدف الخامس
الأعذار إلى الله بأداء الأمانة
