شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

ولكن هذا الأمر لن يكون حتى يعود الناس إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عهد الخلافة الراشدة كما قال مالك -رحمه الله -: (ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وما لم يكن يومئذ ديناً فليس باليوم ديناً", وإنما صلح أول هذه الأمة بكتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وقد نبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أن مجد هذه الأمة لن يعود إلا مع خلافة على منهاج النبوة وذلك فيما رواه أحمد عن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة, ثم سكت) .

أي أن آخر الأمر للمسلمين بشرط أن يكون أمرهم على منهاج النبوة ولن يكون هذا إلا إذا تحققت أسبابه التي ربط بها النصر والتمكين في الأرض والنعيم في الأخرة.

كما فى قوله -تعالى-: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) ( النور:55).

, فهذاتمكين مرتب على شروط الإيمان والعمل الصالح وتحقيق التوحيد ونبذ الشرك والوثنية.

وقال -تعالى- ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) ( إبراهيم13-14).

وعدهم الله -سبحانه وتعالى- بهلاك الظالمين وتمكينهم في الأرض بشرط خوفهم من الله -عز وجل-، ومن خاف من شيء اتقاه فهو تحقيق التقوى، والثاني الخوف من اليوم الأخر وهذا يقتضي العمل الصالح المنجي من المخوفات التي جعلها الله في الأخرة.

فإذا كان لابد من أسباب فتعالوا نعرض هذه الأسباب علنا نأخذ بها:

السبب الأول- العلم:

العلم يقوم به الدين, ويتحقق به منهج سيد المرسلين, ويرتفع به شأن الآخرين كما ارتفع به الأولين, فالعلم حياة القلوب من الجهل ومصباح البصائر في الظلم, به تبلغ منازل الأبرار ودرجات الأخيار, والتفكر فيه ومدراسته ترجح على كثير من النوافل, وصاحبه مبجل مكرم, قال الشافعى: من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم, وعن الزهري: ما عبد الله بمثل الفقه .

وعن سعيد بن المسيب قال: ليست عبادة الله بالصوم والصلاة, ولكن بالفقه في دينهز يعني ليس أعظمها وأفضلها الصوم والصلاة بل الفقه.

ومن الآثار ما روي معاذ بن جبل أنه قال: تعلموا العلم فإن في تعلمه لله خشية, وطلبه عبادة, ومدارسته تسبيح, والبحث عنه جهاد, وتعليمه من لا يعلمه صدقة, وبذله لأهله قربة, وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة, والدليل على الدين, والصبر على البأساء والضراء, يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة يقتدي بهم أدلة في الخير تقتفى آثارهم وترمق أفعالهم, يبلغ العبد به منازل الأبرار والدرجات العلى, والتفكير فيه يعدل بالصيام, ومدارسته بالقيام, به يطاع الله -عز وجل- وبه يعبد وبه يوحد وبه يمجد وبه يتورع, وبه توصل الأرحام, وبه يعرف الحلال والحرام وهو إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء .

وقال الحسن البصري: (لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم) أي: أنهم بالتعليم يخرجون الناس من حد البهيمة إلى حد الإنسانية.

وقال علي -رضى الله عنه- لكميل بن زياد: (ياكميل: العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال, والعلم حاكم والمال محكوم عليه, والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق".

وقال نظماً:

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ....... على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرىء ما كان يحسنه....... والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعيش حياً به أبداً ........ الناس موتى وأهل العلم أحياء

وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

وقال لقمان لابنه: (يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء) .

والعلم قسمان: القسم الأول - فرض العين:

وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به, ككيفية الوضوء والصلاة ونحوهما, وأصل واجب الإسلام وما يتعلق به من معرفة قضايا التوحيد وما ينافيها من الشرك, والواجب من ذلك ما يتوقف أداء الواجب عليه غالباً دون ما يطرأ نادراص فإن وقع وجب التعلم حينئذ, وأما البيع والنكاح وشبههما مما لا يجب أصله فقال إمام الحرمين الجويني والغزالي وغيرهما: ويتعين على من أراده تعلم كيفيته وشرطه, وقيل لا يقال يتعين بل يقال: يحرم الإقدام عليه إلا بعد معرفة شرطه وهذه العبارة أصح وعبارتهما محمولة عليها وكذا يقال في صلاة النافلة يحرم التلبس بها على من لم يعرف كيفيتها ولا يقال يجب تعلم كيفيتها ويجب معرفة ما يحل وما يحرم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها مما لا غنى غالباً عنه وكذلك أحكام عشرة النساء إن كان له زوجة, وحقوق المماليك إن كان له مملوك ونحو ذلك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية