شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

ويجب على الآباء والأمهات تعليم اولادهن الصغار ما سيتعين عليهم بعد النلوغ فيعلمه الولي الطهارة والصلاة والصوم ونحو ذلك, ويعرفه تحريم الزنا واللواط والسرقة وشرب الخمر والكذب والغيبة وشبهها, ودليل ذلك قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) ( التحريم:6) .

قال علي بن أبي طالب -رضى الله عنه-, ومجاهد وقتادة: (معناه علموهم ما ينجون به من النار), وثبت في الصحيحين عن ابن عمر -رضى الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) .

وأما علم القلب وهو معرفة اعمال القلوب من الحب والخوف والرجاء والرغبة والرهبة والأمانة والانقياد الاستسلام وشبهها ومعرفة أمراض القلوب من الحسد والعجب والرياء وخلافه فقال الغزالي: معرفة حدودها وأسبابها وطبها وعلاجها فرض عين, وقال غيره: إن رزق المكلف قلباً سليماً من هذه الأمراض المحرمة كفاه ذلك ولا يلزمه تعلم دواءها وإن لم يسلم نظر- إن تمكن من تطهير قلبه من ذلك بلا تعلم لزمه التطهر كما يلزمه ترك الزنا ونحوه من غير تعلم أدلة الترك وإن لم يتمكن من الترك إلا بتعلم العلم المذكور تعين حينئذ, والله أعلم.

القسم الثاني- فرض الكفاية:

وهو تحصيل ما لابد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث وعلومها والأصول والفقه والنحو واللغة والتصريف ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف .

وأما ما ليس علماً شرعياً ويحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالطب والحساب وشبههما ففرض كفاية أيضاً نص عليه الغزالي, وأما الصنائع التي هي سبب قيام مصالح الدنيا كالخياطة والفلاحة ونحوهما فهي فرض كفاية أيضاً .

وفرض الكفاية المراد به تحصيل الشيء من المكلفين به أو بعضهم ويعم وجوبه جميع المخاطبين به فإن فعله من تحصل به الكفاية سقط الحرج عن الباقين, وإن قام به جمع تحصل الكفاية ببعضهم فكلهم سواء في حكم القيام بالفرض في الثواب وغيره فإذا صلى على جنازة ثم جمع ثم جمع, فالكل يقع فرض كفاية ولو طبقوا كلهم على تركه أثم كل من لا عذر له ممن علم ذلك وأمكنه القيام به بحيث ينسب إلى تقصير ولا يأثم من لم يتمكن لكونه غير أهل أو لعذر ولو اشتغل بالفقه ونحوه وظهرت نجابته فيه ورجى فلاحه وتبريزه فوجهان أحدهما: يتعين عليه الاستمرار لقلة من يحصل هذه المرتبة فينبغي ألا يضيع ما حصله وما هو بصدد تحصيله .

قال الإمام النووي: وأصحهما لا يتعين لأن الشروع لا يغير المشروع فيه عندنا إلا في الحج والعمرة ولو خلت البلدة من مُفْتٍ فقيل: يحرم المقام بها, والأصح لا يحرم إن أمكن الذهاب إلي مُفْتٍ وإذا قام بالفتوى إنسان في مكان سقط به فرض الكفاية إلى مسافة القصرمن كل جانب, واعلم ان للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بفرض العين لأنه أسقط الحرج عن الأمة .

وقال الإمام الجويني في غيات الأمم: فرض الكفاية أفضل من فرض العين من حيث أن فاعله يسد مسد الأمة ويسقط الحرج عن الأمة وفرض العين قاصر عليه .

وكذا تعليم الطالبين وإفتاء المستفتين فرض كفاية فإن لم يكن هناك من يصلح إلا واحد تعين عليه ولما كان المكلف بأمور الشريعة لا يخلو من أحد أمور ثلاثة .

أحدهما – أن يكون مجتهداً .

والثانى – أن يكون مقلداً صرفاً .

والثالث – أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين .

فالأول – المجتهد: وهو من آتاه الله – عز وجل – أدوات النظر المباشر في الكتاب والسنة .

من معرفة كتاب الله –عز وجل – الناسخ والمنسوخ والمحكم المتشابهوأسباب النزول ومعرفة تفسير كتاب الله –عز وجل -.

ومعرفة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الجرح والتعديل وعلم الرجال والناسخ والمنسوخ, فيه وأسباب ورود الحديث والمحكم والمتشابه والصحيح والسقيم.

ومعرفة علم أصول الفقه ومعرفة اللغة العربية نحوها وصرفها وبلاغتها ومعرفة الواقع الذي تطبق عليه أحكام الشريعة, وأن يكون ممن آتاه الله فطنة وذكاء يجعلهما الله – عز وجل –فيمن يأتمنه على دينه, وهؤلاء المجتهدون هم العلماء وهم حماة الدين وحراس العقيدة وهم الذين يقومون بالفتوى والقضاء وهم الذين يذبون عن دين الله -عز وجل- وينبغي أن لا يخلو منهم زمان وأن يكون في كل بلدة واحد منهم على الأقل يرجع إليه الناس فيما ينزل بهم من الأمور التي تحتاج إلى أحكام وهم الذين يكيفون النوازل ويضعون الحكم الشرعي المناسب لها بناء على معرفتهم بمواطن القياس والعلل والحكم الموجودة في الشرع الحنيف والأشباه والنظائر وعندهم إحاطة بنصوص الشريعة مما ييسر عليهم معرفة الأحكام, وعلى الأمة السعي الحثيث لإيجاد هذه الطائفة التي بها رقى الأمة وسموها وعلوها, فهؤلاء العلماء هم الأمن والأمان لسفينة الأمة الذين يجنبونها الغرق في مهاوي الردى فهم الذين يخلصون الدين مما علق به من شوائب البدع ومحدثات الأمور, ويردون شبه الزنادقة والمجرمين, وحاجة الناس إليهم أكثر من حاجتهم إلى الماء والهواء, فإن حاجة الناس إلى الماء والهواء لصحة الأبدان وحاجتهم إلى هؤلاء العلماء لصحة الجنان.

الثاني – المقلد الخالي من العلم: وهذا يحتاج إلى قائد يقوده وحاكم يحكم عليه, وعالم يقتدي به, ومعلوم أنه لا يقتدي به إلا من حيث هو عالم بالعلم, والدليل على ذلك أنه لو علم أو غلب على ظنه أنه ليس من أهل ذلك العلم لم يحل له أتباعه بل لا يصح أن يخطر بخاطر العامي ولا غيره تقليد الغير في أمر مع عمله بأنه ليس من أهل ذلك الأمر, كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنه ليس بطبيب إلا أن يكون فاقد العقل, وإن كان كذلك فإنه إنما ينقاد إلى المفتي من جهة ما هو عالم بالعلم الذي يجب الانقياد إليه لا من جهة كونه فلاناً.

الصفحة السابقة الصفحة التالية