شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات حول مسألة الاختيار

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

لما اختار موسى -عليه السلام- سبعين رجلاً لميقات ربه اختارهم الخيِّر فالخيِّر، فنظر إلى العلم والعمل، العلم بكتاب الله والعمل الصالح والعبادة، وكونهم ممن لم يعبدوا العجل، وهذا من أعظم الصفات المهمة فيمن يقدم إلى الوظائف والمهمات، أن يكون ممن فهم قضية التوحيد والإيمان فهمًا راسخًا، ولا يحتمل أن يضحي بها في أي ظرف من الظروف، فالذين عبدوا العجل؛ ضحوا بعقيدة التوحيد اتباعًا للهوى، واتباعًا للسامري الذي أضلهم، وجهلاً منهم، وضلالاً عن الحق، فقد تركوا قول هارون -عليه السلام- واتبعوا أهواءهم في عبادة العجل، فهؤلاء لا يمكن أن يصلحوا للتقدم.

وقد كان مِن شروط أبي بكر -رضي الله عنه- على أهل الردة حتى يتوقف عن قتالهم لما تابوا ورجعوا للإسلام: ألا يحملوا سلاحًا ولا يركبوا خيلاً حتى يُري اللهُ خليفةَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين فيهم أمرًا، فهم لابد أن يؤخروا، وكما قال الله لنبيه: ( فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ) (التوبة:83) .

فكيف يتصور أن يبرَّز ويقدم للأمة من عرف تاريخه بموالاة أعداء الله وإعانتهم؟! وكذلك مَن عُرف بأنه لا يعرف قضية الإيمان ولا عقيدة التوحيد، وأنه يقع في الشرك والضلال، وأنه لا يميز بين الحق والباطل، كيف يُقال للناس: اختاروا هذا وقدموه؟

فلا تغتروا -عباد الله- بمن ينتسب للدين ثم يقدم للناس مَن عُرف بالبعد عن دين الله في سلوكه وعمله، ويَقول لهم: "إن هذا من المناورة السياسية أو من الموازنات المعتبرة"، فضلاً عن أن يقدم كافرًا ويقول للناس: "اختاروا هذا حتى يكون نائبًا لكم يتحدث باسمكم"، ويعطي من الصلاحيات ما فيه مِن تشريع يحتاجون إليه وما يلزمهم أن يرجعوا إليه عند الاختلاف من قوانين أو غيرها من المصالح العامة!

لقد اختار موسى -عليه السلام- قومه سبعين رجلاً لميقات الله على تاريخهم الذي يؤهلهم لذلك، فلم يكونوا مِمَّن عبد العجل، مع أن الله -عز وجل- عاقبهم بأن أخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكن لهم موقف قوي في مخالفة قومهم عندما عبدوا العجل.

قد صُعق من لم ينهَ عن الشرك؛ فكيف بمن كان مشاركًا في الباطل؟!

وأصح أقوال أهل العلم في قول الله -سبحانه وتعالى-: ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ )، في سبب هذه الرجفة: أن الله -عز وجل- عاقبهم لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يكن لهم موقف قوي واضح من عبادة العجل رغم أنهم لم يعبدوه.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جُرَيْج: إنما أخذتهم الرجفة؛ لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل، ولا نهوهم، ويتوجه هذا القول بقول موسى: ( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا )".

فدورك -أيها المسلم- ليس -فقط- أن تترك المنكر، بل لابد أن تكون إيجابيًّا، لابد أن تكون آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر داعيًا إلى الله -عز وجل-، والله -سبحانه وتعالى- يحب منا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، وبهذا استحقت الأمة الخيرية.

بل كان غضب موسى -عليه السلام- على هارون؛ لأنه ظن أنه قصر في النهي، ولذلك قال: ( أَلا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) (طه:93) ، وأخذ بلحيته ورأسه يجره إليه، مع أن هارون -عليه السلام- بشهادة القرآن كان قد نهاهم عن عبادة العجل، قال الله -سبحانه وتعالى-: ( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي. قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) (طه:90-91) ، واستغفر موسى -عليه السلام- لنفسه ولأخيه.

وإذا كانوا قد صعقوا -وهم خير بني إسرائيل- بالرغم من أنهم لم يعبدوا العجل إلا أنهم لم يكن لهم موقف واضح في مزايلة من عبده ومفارقته وإعلان البراءة منه؛ فكيف بمن يكون مشاركًا في أنواع الباطل؟! كيف بمن يكون معينًا على الكفر والشرك والنفاق -والعياذ بالله-؟! كيف بمن يكون آلة في يد الأعداء ينفذون بها ما يريدون -والعياذ بالله-؟!

يوجد في المسلمين -بل فيمن ينتسب إلى العلم والدين- مَن يقول أنه إذا وضع الأعداء المحتلون لبلاد المسلمين رئيسًا ينتسب إلى الإسلام ينفذ كل مخططاتهم وأغراضهم فلابد أن يكون الناس تبعًا لهم! ووالله إنه للعجب العُجاب! قوم يأمرون الناس بأن يكون رجوعهم إلى من يدعوهم إلى أبواب جهنم، وإلى أن يكونوا من أصحاب السعير، يقولون: اسمعوا وأطيعوا وإن لم يقودكم بكتاب الله! وهذا -والله- خطر عظيم وبلاء شديد.

والمعروض على الأمة -للأسف مع التناقضات والاختلافات والصراعات والتنافسات- لا يكاد يخرج عمَّن كان فاعلاً للمنكر، بل الباطل والنفاق والكفر المعلن وغير المعلن، ومَن يكون ساكتًا على ذلك -نسأل الله العافية-، لذلك لا يصلح شيء من هذا أن يكون ممن يُجتبى ويُختار.

تحمل مسئولية الأمة:

قال -تعالى-: ( فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ )، بقي موسى -عليه السلام- يتضرع إلى الله بأنواع التضرعات حتى يرد أرواحهم إليهم؛ فماذا يصنع بعد اختيار سبعين رجلاً من الخيار، أيعود وقد ماتوا؟ أيعود إلى بني إسرائيل فلا يجد فيهم من يقوم بأمرهم ويعاونه بعد أن هلك أفضل سبعين رجلاً؟

الشعور بتحمل المسئولية في الأمة وأنه لن يجد خيارًا يقودون الناس في دين الله -عز وجل- جعله يتضرع إلى الله بأنواع التضرعات؛ ليرد عليهم أرواحهم، فأحياهم الله بعد موتهم؛ إكرامًا لموسى -عليه السلام-، وحفظًا لبني إسرائيل؛ توبة من الله ومنة عليهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية