نفسية المستمع
سعيد السواح • التزكية
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا مِنْ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ). قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِثْرِهَا: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ )، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ -تَعَالَى- فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ).
قَالَ: ( نَعَمْ ).
( رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ).
قَالَ: ( نَعَمْ ).
( رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ).
قَالَ: ( نَعَمْ ).
( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ).
قَالَ: ( نَعَمْ ) (رواه مسلم) .
فهل رأيت كيف فهم الصحابة -رضي الله عنهم- الآيات؛ فاندفعوا عندها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يشتكون ضيقهم، وأن مدلول الآية لو طبق؛ لهلكوا!
ثم انظر إلى تربية النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابة، وتربيتهم على تصحيح النفسية التي يستمعون بها، فلا تكن كحال نفسية اليهود والنصارى الذين يستمعون بنفسية المتولي والمعرض، ولكن نفسية المؤمن؛ نفسية المستمع المستجيب.
وانظر إلى نفسية الصحابة -رضي الله عنهم- لما سمعوا ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ )، فقالوا على فورهم بلا تردد ولا تباطؤ: " سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ".
نفسية أنس بن مالك -رضي الله عنه-:
فعن أنس -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاثًا وَيَقُولُ: ( إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ ). قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاثًا. (رواه البخاري ومسلم واللفظ له) .
نفسية الصحابة -رضي الله عنهم-:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: اتَّخَذَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ) فَنَبَذَهُ وَقَالَ: ( إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ ) (رواه البخاري) .
نفسية ابن أم مكتوم -رضي الله عنه-:
( عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى . وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى . وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى . وَهُوَ يَخْشَى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) (عبس:1-10) ، فالله -تعالى- يخبر عن نفسية ابن أم مكتوم -رضي الله عنه-، لماذا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ جاء قاصدًا ليهتدي بما سيقوله له النبي -صلى الله عليه وسلم-، جاء بنفسية الباحث عن الحق المستمع المستجيب.
فما هي النفسية التي تهيأت من خلالها للاستماع أو القراءة؟
ينبغي أن تربي في نفسك هذه النفسية التي تسمع بها، فلك قبل أن تشرع في القراءة أو الاستماع أن تدقق النظر في نفسيتك التي ستسمع بها، وأن تعيد النظر مرة من بعد مرة حتى ترى التهيؤ الكامل؛ أنني أسمع لكي أجيب وأنفذ.
وإليك بعض التجارب التي تظهر لك نفسيتك التي تسمع بها:
فلتكن هذه الآية هي منطلقنا: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) . فأذكر لك بعض سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي في حقيقتها ميسورة للجميع، ولكن من خلالها تستطيع أن تقيس نفسيتك التي تستمع بها.
1- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) ، فما حالك أنت مع السواك؟ هل أحسست في جيبك ترى مكان السواك فيه أم أين فقدت سواكك؟