شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السلفيون وحفظ الأوطان: المنهج والتطبيق

علاء الدين عبد الهادي • المنهج السلفي

السلوك مرآة الفكر، وما يعتقده الناس في دواخلهم يظهر على تصرفاتهم واختياراتهم، فكل ما يشيع بين أفراد جماعة بشرية ما فإنما هو محصلة عقيدتهم وخلاصة آرائهم، لذلك؛ لم يختلف -بفضل الله- الجانب العملي لدى عامة السلفيين -بشتى توجهاتهم- عن المنهج العقدي الذي عرضنا لجانب منه في هذه المقالة، ولم يناقضوا أنفسهم بالادعاء علنًا غير ما يفعلونه ويفتون به ويحثون عليه، وقد كان السلفيون -بفضل الله وحده عليهم وبعصمته لمنهجهم- أحرص الناس على الاجتماع ونبذ التفرق، وأكثرهم تمسكًا بحماية الأوطان والبلاد والعباد، وإيثار المصلحة العامة الحقيقية -على ضوء الشريعة- على كل مصلحة أخرى تتدخل فيها الأهواء، وصحيح أنهم لم يروا للأنظمة المدنية العالمانية ولاية شرعية -نسبة إلى الشرع- إلا أن ذلك لم يمنعهم من قبول الحق منهم إن قالوه أو فعلوه، كذا التعاون معهم عليه من غير مداهنة ولا نفاق.

أي باحث منصف في شئون الصحوة الإسلامية المباركة يقر بدور المنهج السلفي والسلفيين قديمًا وحديثًا في تقليص دائرة العنف، والعنف المضاد

لم يقف السلفيون –وسائر المسلمين- يومًا في وجه السلطات الأمنية مصطدمين بهم -وإن ضيقت عليهم السلطات نفسها-، ولم يشتبكوا معهم أو يناوشوهم؛ إذ يرونهم محل دعوة كغيرهم من المسلمين، ولم يتحدوهم؛ ليعلنوا حالة من الفوضى المتعمدة، ولم يلقوا عليهم -يومًا- قنابل المولوتوف، ولا أدموهم بالحجارة، ولا واجهوهم بالأسلحة البيضاء والعصي وقضبان الحديد، ولم ير السلفيون في ذلك "حربًا مقدسة" يستنفر لها الناس ويُحشد لها راغبو "الشهادة".

لم يتجمع السلفيون يومًا بالآلاف؛ ليحاصروا مبنى المحافظة، أو يحاولوا اقتحام أسوارها عنوة، ولا تحطيم المباني والممتلكات العامة، والمنشآت الحكومية واحتجاز من فيها كرهائن؛ ليفرضوا رأيهم بالقوة أو ينالوا ميزة بالإرهاب، أو يفرضوا أمرًا واقعًا رغم أنف الجميع.

لم يتعاون السلفيون مع أعداء دينهم ووطنهم في الداخل ولا في الخارج، ولا فتحوا معهم قنوات للاتصال والحوار، ولا نسقوا مع أحد أو جهة ما بالمهجر ولا غيره من أجل الضغط على حكوماتهم أو بلدانهم، ولا لأجل كسب ورقة جديدة في مفاوضات من أجل مصلحة طائفية على حساب البلاد.

لم يروع السلفيون الآمنين من السكان في بيوتهم، ولم يتسببوا في الذعر للمارة في الطريق، ولا للطلبة والطالبات في مدارسهم، ولا تدربوا وسطهم على حرب الشوارع وكر العصابات وتطويق الهيئات واختطاف الرهائن.

ذلك كله -وغيره ذلك كثير- لم يفعله السلفيون، ليس ضعفًا منهم أو غفلة عن هذه الأساليب الرخيصة، ولكن لقوة لديهم يستمدونها من الشرع، وليقظة لديهم تدلهم على عدم مشروعية كل هذه الأعمال التخريبية وخطرها على أوطانهم ودعوتهم وأهليهم -عامة الشعب المسالم- وعلى البلاد ككل.

وكل باحث منصف في شئون الصحوة الإسلامية المباركة يقر بدور المنهج السلفي والسلفيين قديمًا وحديثًا في تقليص دائرة العنف، والعنف المضاد بين الحكومة والجماعات الإسلامية التي كانت وقتها صدامية –وذلك قبل المراجعات- عن طريق نشر المنهج السلفي وضوابط التغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الشباب الملتزم وتوجيه طاقاتهم وترشيدها نحو البناء لا الهدم، والتواصل لا التصادم .

السلفية هي الإسلام بنقاء:

وبقي أن نذكر أمرًا مهمًا، وهو أن ما ذكرناه من قضايا منهجية وكيف طبقها السلفيون ليست وصفًا لمنهج منفصل عن الإسلام، بل هو الإسلام ذاته، وليس نتاج خبرات أو آراء فكرية بشرية، بل هو المنهج الرباني الذي ورثناه عن الصحابة، والذي اصطلحنا على تسميته بالسلفية، ولا نتعصب للاسم ولا نحتكره، فكل من رأى صحة ذلك المنهج واتبع قواعده الشرعية فهو عندنا "سلفي" المنهج، سليم العقيدة، صائب الرأي ولو لم يتسم بهذا الاسم؛ إذ الولاء على الإسلام ذاته، وليس تعصبًا لاسم.

إن أردت لذلك بيانًا؛ فلتعلم أن عمدتهم في قضية الإيمان -مثلاً- قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ) (رواه مسلم) ، وفي إيكال الناس إلى ربهم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟! ) (متفق عليه) ، وفي عدم تكفيرهم بذنب –إلا المستحل- قوله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء:48) وأما في الشركيات فلا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع –كالصغر والجنون والإكراه والخطأ والنسيان والجهل والتأويل- وليس منها الاستحلال، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وفي مخاطبة الناس بالحسنى قوله -تعالى-: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (النحل:125).

وفي النهي عن إشاعة الفتن والترويج لها والحث عليها ما قدمنا به المقال: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )، وفي أخوة عامة المسلمين قوله -تعالى-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات:10) ، وغير ذلك مما تجده مبثوثًا منتشرًا مبذولاً في كتب السلفيين ومجالسهم ومصادرهم ومواردهم، منصوصًا عليه في الكتاب، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في "السنة"، ولكن قلَّ المنصف!!

وكذلك حب السلفيين لأوطانهم وعملهم من أجله إنما هو نابع من دينهم وعقيدتهم؛ فخالفوا بذلك أهل الدعوة إلى القومية والوطنية والتحزبات الطائفية الإقليمية، وغير ذلك من الدعاوى الفارغة التي زرعها فينا الاحتلال بحدود سياسية مصطنعة حتى أصبحت هذه الحدود المستحدثة كالخلايا السرطانية في جسد الأمة الجريح تقطع أوصالها وتبتر أرجاءها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية