شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الطريق إلى الولد الصالح 9- التربية النفسية في مرحلة الطفولة

عصام حسنين • المرأة والأسرة

ولنا في هذه المواقف النبوية أسوة وقدوة، وفيها -أيضًا- زجر لهؤلاء الآباء الذين يظنون أن الرحمة خور، وأن التصابي للطفل تدليل، فلا يرى ولده منه إلا العبوس والزجر، وكسر النفس الذي يؤول بالطفل إلى الانطواء والوحدة والتلعثم والضعف، وهذا لا شك مذموم، وهو خلاف هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي هو خير الهدي.

فقد كان -صلى الله عليه وسلم- ضحوكًا بسامًا، يقول جرير -رضي الله عنه-: ( وَلا رَآنِي إِلا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وانظر إلى عمر -رضي الله عنه- الذي كان جبارًا في الجاهلية والذي وأد بنتًا له صغيرة ماذا يقول: "ينبغي للرجل أن يكون في أهله كالصبي –أي: في الأنس والبشر وسهولة الخلق والمداعبة مع أولاده-؛ فإذا التمس ما عنده؛ وجد رجلاً".

واستعمل عمر رجلاً فرأى عمر يقبل صبيًّا له، فقال: تقبله وأنت أمير المؤمنين؟! لو كنت أنا ما فعلته. فقال عمر: فما ذنبي إن كان الله نزع من قلبك الرحمة، إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء". ونزعه عن عمله، وقال: "أنت لا ترحم ولدك؛ فكيف ترحم الناس"؟! "المنهاج النبوي ص 315" .

وكان -صلى الله عليه وسلم- يسابق عـائشة -رضي الله عنها-، ويسـرب لها صديقاتها؛ ليلعبن معها، وكانت عندها بناتها -لعب- تلعب بها عنده، وكان -صلى الله عليه وسلم- يزور أم سليم في بيتها، وفي البيت أبو عمير بن أبي طلحة -صغير أبي طلحة الذي مات-، كان له عصفور صغير يلعب به، ويقول له النبي -صلى الله عليه وسلم- ملاعبًا وملاطفًا له: ( يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ ) (متفق عليه) .

وكان -صلى الله عليه وسلم- يسلم على الصبيان وهم يلعبون.

وكان -صلى الله عليه وسلم- يُلاعب الصغير ويداعبه بالكلمات الجميلة.

والطفل يحب ذلك ويعجبه، فعن أم خالد قالت: أُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ فَقَالَ: ( مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ؟ ). فَسَكَتَ الْقَوْمُ. قَالَ: ( ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ ). فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ: ( أَبْلِي وَأَخْلِقِي ) (رواه البخاري) ، وفي رواية له: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( سَنَهْ سَنَهْ ). -وَهِيَ باللغة بِالْحَبَشِيَّةِ تعني: الحَسَنَةٌ، وداعبها -صلى الله عليه وسلم- بهذه الكلمة بلغة الحبشة؛ لأنها كانت مع أهلها في هجرة الحبشة، وهي تعرفها- قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَبَرَنِي أَبِي. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( دَعْهَا )، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي ). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ -يعني: من بقائها، يعني: طال عمرها بدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فبالله عليكم، هل ينسى الطفل هذا الحنان أو هذه المواقف التي تنبع بالحنان والرحمة؟! وما أثرها على نفسه وما أثره فيما بعد على من غمره وأشبعه بهذا العطف والحنان؟! ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ) (الرحمن:60) .

- وأن يخرج بأولاده إلى متنزه خالٍ من المنكرات، فيلاعبهم ويسابق بينهم؛ ليعلمهم أدب اللعب من عدم الغضب، أو الحرص على أخيه، وعدم إيذائه وعدم التعصب، والفرح لأخيه إن غلب، فبهذا كله يقوي آصرة الأخوة والمحبة بين الأولاد.

5- مخاطبته بـ "يا بني"، "يا حبيبي"، و"باسمه"، وغيرها من الألقاب والأسماء التي فيها الشفقة والرحمة واستمالة القلب لسماع ما ينفعه:

كما أنها تنشئ في الطفل احترام نفسه واعتزازه بها، وأدبه مع الكبار، فيناديهم بالألقاب المحترمة التي تدل على أنه محترم، ومؤدب، فيقبل بين الناس ويقبلون عليه.

- كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينادي أنسًا بـ"يا بني"؛ فعن أنس قال: " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا بُنَيَّ )" (رواه مسلم) ، وقال لابن عباس -رضي الله عنهما-: ( يا غلام )، وقال لأبي عمير: ( يا أبا عمير ).

6- وأن يعطيه حقه وأن يستأذن في حقه إن كان سيعطيه لغيره:

لأن الطفل يستأثر بحاجته، فإن أخذت من دون استئذانه قد يأخذها في نفسه، وقد يشعر بظلم، وقد يبغض من أعطيت له دونه خاصة إن كانوا إخوانه، وتعلم هذا السلوك التربوي المهم من الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ فَقَالَ لِلْغُلامِ: ( أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ؟ ) فَقَالَ الْغُلامُ: لا وَاللَّهِ، لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَتَلَّهُ -وضعه- رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي يَدِهِ. (رواه البخاري ومسلم) .

7- وألا نكثر من لومه وعتابه:

لأنه يزيد من عناده وفعله القبيح، ويهون سماع الملامة عنده، ويضيع هيبة كلام الأبوين عنده، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير أسوة في ذلك؛ فعن أنس -رضي الله عنه- قال: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلا لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلا: أَلا صَنَعْتَ؟" (متفق عليه) .

وهذا يربي في نفس الطفل الحياء، وينمي الفضيلة والانتباه والملاحظة بشرط الالتزام معه منذ البداية بالتوجيه والإرشاد وعدم ترك ثغرات أو فعل مخالفات أو السكوت عن محظورات، فإذا أردنا أن نعالج؛ نجد الوقت قد فات.

- وعلى الأم أن تخوِّف الطفل بالأب، وأن تزجره عن القبائح، وألا تخفي شيئًا عن أبيه، فيتفاقم الخطأ ويصعب العلاج.

8- وأن يؤاكله؛ لتعليمه وتوجيهه:

الصفحة السابقة الصفحة التالية