شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

في ظلال كتاب "بصائر في الفتن"

محمد سرحان • قرأت لك

قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:153) ، والله -سبحانه- يجزي المؤمن على صبره كما قال -سبحانه-: ( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (المؤمنون:111) ، فأخبر -سبحانه- أنه جزاهم على صبرهم، كما قال -عز وجل-: ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) (الفرقان:20) ، أي: أتصبرون على البلاء فقد عرفتم ما وجد الصابرون.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنْ الصَّبْرِ ) (متفق عليه) ، وقال عمر -رضي الله عنه-: "أدركنا خير عيشنا بالصبر"، وقال -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر: ( كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ ) -يَعْنِي الْقَبْرَ، والوصيف: الخادم-، قُلْتُ: "اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ"، قَالَ: ( عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ )، أَوْ قَالَ: ( تَصْبِرُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

قال القاري: "الظاهر أن معنى الحديث: كما لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد، وتحمل غلبة المشقة؛ كذلك في ذلك الزمان لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلا بصبر عظيم" "تحفة الأحوذي" .

مقارنة الحلم والرفق، ومفارقة العجلة والطيش:

عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ ) (رواه مسلم) ، وعن خباب -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: "أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟"، قَالَ: ( كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) (رواه البخاري) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( التَّأَنِّي مِن الله، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ ) (رواه أبو يعلى والبيهقي، وصححه الألباني) .

وقال أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-: "لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمُه جهلَه، وصبرُه شهوتَه، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم".

وساق الشيخ -حفظه الله- آثارًا كثيرة تؤكد أهمية الحلم وخطورة العجلة، وساق الشيخ كلامًا رائعًا لابن القيم -رحمه الله- يحذر فيه من استفزاز البُداءات، فكان مما قال: "في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) ، وهاتان الكلمتان هما جماع الفلاح، وما أُتي العبد إلا من تضييعهما أو تضييع أحدهما، فما أُتي أحد إلا من باب العجلة والطيش واستفزاز البداءات له، أو من باب التهاون والتماوت وتضييع الفرص بعد مواتاتها؛ فإذا حصل الثبات أولاً والعزيمة ثانيًا أفلح كل الفلاح".

وذكر الشيخ -حفظه الله- مواقف كثيرة من الثبات عند الفتن، نذكر أحدها:

قال حميد بن هلال: أتى مطرف بن عبد الله زمان بن الأشعث ناس يدعونه إلى قتال الحجاج، فلما أكثروا عليه قال: "أرأيتم هذا الذي تدعوني إليه: هل يزيد على أن يكون جهادًا في سبيل الله؟"، قالوا: "لا"، قال: "فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه".

العجلة أم الندامات:

قال محمد بن طلحة: رآني زُبيد مع العلاء بن عبد الكريم ونحن نضحك، فقال: "لو شهدتَ الجماجم ما ضحكتَ، ولوددتُ أنَّ يدي -أو قال: يميني- قطعت من العضد وأني لم أكن شهدتُ".

ولما أُتي بفيروز بن الحصين إلى الحجاج قال له: "أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء؟"، فقال: "أيها الأمير، فتنة عمت" فأمر به فضربت عنقه.

وقال حماد بن زيد: ذكر أيوب السختياني القراء الذين خرجوا مع ابن الأشعث فقال: "لا أعلم أحدًا منهم قتل إلا قد رُغب عن مصرعه، ولا نجا أحد منهم إلا حمد الله الذي سلمه، وندم على ما كان".

وذكر الشيخ -حفظه الله- مواقف كثيرة تبين خطورة العجلة وندم أصحابها، ثم ذكر آخر الأبواب وهو مسك الختام وقد استغرق نصف الكتاب تقريبًا، وهو من أسباب النجاة من الفتن، وإن كان ما ذكره الشيخ -حفظه الله- فيما سبق فيه بيان لأسباب النجاة من الفتن فأكملها بهذا الباب.

من أسباب النجاة من الفتن:

1- التثبت من الأخبار:

الصفحة السابقة الصفحة التالية