السلفيون وكشف حساب الأزمة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
فقد شارك كثير مِن غير الإخوة، بل ممن لهم سابقة فساد في هذا الأمر، ولكن كان التوجيه والضبط في الأعم الأغلب للإخوة -بفضل الله-، بل إن كثيرًا مِن الأشقياء كان إذا وجد نفسه منفردًا في الشارع أرهب المارة، وفرض الإتاوات؛ فكان وجود الإخوة ضروريًا جدًا.
سادسًا: مرحلة الثورة:
وعلى أي بدأ النظام في الاستجابة البطيئة جدًا للحدث؛ بدأت بإعلان إقالة الوزارة، ثم تعيين نائب، والتعهد بعدم الترشح لفترة قادمة، ثم التعهد بعدم ترشح ابنه بعده.
ورغم أن هذه التنازلات لم تكن ترد في أذهان المتظاهرين -ولو على سبيل الحلم-؛ إلا أنها لم تُرض طموحهم.. وهنا ظهر "مصطلح الثورة" متزامنًا مع شعار: "الشعب يريد إسقاط النظام".
وبدأت بعض الرموز السلفية في أكثر مِن مكان تحض أتباعها على المشاركة في هذه الثورة أملاً في تقليل الشر والفساد.
وقد تفاعلت الدعوة مع هذا التطور.. فكان:
1- اعتبار تأمين الجبهة الداخلية جزءًا مِن هذه الثورة فات الثوار فعله؛ لأنهم لم يخططوا ولم يدبروا.
وعدم وجود هذا الدور كان كفيلاً بإجهاض الثورة، وتحولها إلى حرب أهلية بين الطبقات الفقيرة التي ملت وأصبحت تُصرِّح بأن حياتها في ظل نظام ظالم أولى مِن الموت جوعًا أو هلعًا.
ونتيجة شعور الدعوة بهذا النبض ألمحت في أكثر مِن مناسبة إلى أن الخروج مِن الأزمة بسرعة أمر هام، وإن لم تتحقق كل طلبات الثوار والتي بدت وكأن بعض الفضائيات والتصريحات الدولية هي منبعها؛ مما كان يُخشى معه أن تكون هناك محاولات لدفع البلاد إلى الفوضى العارمة.
2- الثناء على مَن خرج بنية التغيير إلى الأفضل، وعد قتلاهم -مِن أهل الإيمان- مِن الشهداء -بإذن الله-. "راجع بيان الدعوة رقم: ( 3 )"، و" بيان من الهيئة الشرعية لحماية الحقوق والحريات بشأن الأحداث " رقم (1) و الذي وقَّع عليه رموز "الدعوة السلفية" بالإسكندرية.
3- تقديم مطالب شرعية عبر المقالات والمؤتمرات.
4- تجييش الأمة لمنع العالمانيين مِن قطف ثمرة هذه الثورة؛ لا سيما مسألة: "إلغاء المادة الثانية مِن الدستور، أو تعديلها".
ومِن الواضح أن هذه الأهداف تتعارض مع الاشتراك الفعلي في المظاهرات؛ بالإضافة إلى الموانع الأخرى، وإن كانت هذه الأهداف خدمت الخروج مِن هذه الثورة بأقل خسائر وأكبر مكاسب. راجع: " توصيات المؤتمر السلفي بالإسكندرية ".
وبعد الأحداث:
رأت الدعوة أنه إن كان مِن مصلحة فسوف يستفيد منها الجميع، وإن كان مِن مفسدة؛ فلابد وأن يواجهها الجميع.
وقد شرعت الدعوة -بحمد الله- في مواجهة مَن يحاولون إحداث تقهقر في النظام التشريعي القائم؛ بـ"حذف المادة الثانية مِن الدستور أو تعديلها".
وهي الحملة التي أحدثت صدى كبيرًا، وأوجدت وعيًا لدى جمهور الأمة بهذه القضية، ولم تقتصر الحملة على التصدي لمنع تعديلها؛ وإنما تناولت نظام الحكم في الإسلام، وطالبت بتطبيقه، كما تناولت تفعيل هذه المادة لتكون حاكمة على كل القوانين، وليس فقط القوانين التي استجدت بعد تعديل هذه المادة لعام 1980م.
هذا وقد انتقد بعض الدعاة الأفاضل وبعض مرتادي المنتديات الإسلامية هذه الحملة، وتركزت اعتراضاتهم في الآتي:
1- أن هذا الدستور غير شرعي جملة وتفصيلاً، فوجود هذه المادة وعدمها سيان.
2- أنها معطلة، فما فائدة الدفاع عنها.
3- أنه لم يتكلم أحد على إلغائها أصلاً، فلم إثارة البلبلة.
4- أننا الآن في مأمن من تعديلها بعد تشكيل اللجنة، وما ضمته من رموز مدافعة عنها.
5- أن التعديل لابد وأن يعرض في استفتاء، فإذا عرض تكلمنا حيئذ.
ومع كامل احترامنا للشيوخ الأجلاء الذين يتبنون هذا الرأي، وللإخوة الأفاضل المتفاعلين معه في المنتديات فإننا نوجز ما نراه بشأن هذه الاعتراضات، وقبل هذا نؤكد أن تصدي الشيخ نصر فريد واصل وغيره من علماء الأزهر بجانب الدكتور "محمد يسري" وغيره من رموز السلفية، ثم انضمام شيخ الأزهر الحالي يحتم على مَن يرى أن لا خطر أن يعيد حساباته، وإلا فما نظن أن الأزهر كمؤسسة رسمية يمكن أن تخاطر بالدخول في الحلبة لولا ما لمسته من تحرش حقيقي بمحاولة صياغة دستور عالماني قح، وليس فقط تعديل أو الغاء هذه المادة.
وأما المسألة الأولى فإني لأعجب ممن خرج في الثورة من باب إسقاط شخص مع بقاء نظام الحكم، بل مع احتمال تطور نظام الحكم إلى مزيد من العلمنة، ثم لا يرضى إلا بدستور إسلامي كامل وإلا فلا!
ومع ذلك فنحن حينما تحركنا والثورة ما زالت إما أن تزيل الرئيس وإما ان تُباد -لا بعد أن فاتنا قطار الثورة كما قال البعض- تحركنا لأننا رأينا العالمانيين قد شحذوا المدي من أجل هذه المادة، فتحركنا رافعين شعار عدم اللوم والعتاب والمسئولية الجماعية، فنرجو أن تكون هذه هي الروح الحاكمة للجميع.
ومن رجع إلى تصريحاتنا في ظل التسلط الأمني وقبل هذه الثورة يجد أننا صرحنا أكثر من مرة أن المادة الثانية من الدستور لها أهمية قصوى في منع المزيد من التدهور التشريعي، ووجودها له أهمية كبرى في طبيعة علاقة الإسلاميين بالدولة.
ونحن لا نجامل ولا نسمي الباطل حقًّا، ولكن نصف كل شيء بما يستحقه، ونقول أن دولة بنص دستورها على مرجعية الشريعة حتى لو لم يطبق أهون شرًّا بكثير مما تريده بنا الثلة العالمانية، ولكل مسألة حكمها.
وأما مسألة كونها معطلة فغير صحيح؛ بل بحسب تفسير المحكمة الدستورية العليا تسري على القوانين التي سنت بعدها، لا التي سنت قبلها، ونحن نطالب بتفعيلها على ما مضى من قوانين، وهذا لا يتأتى إلا بتثبيتها بطبيعة الحال.
وقد وقفت هذه المادة -بفضل الله تعالى- حائط صد أمام توصيات مؤتمرات السكان في وقت كانت الحركة الاسلامية فيه مشلولة بالقبضة الأمنية الحديدية.
وأما من يظن أنه لم يتكلم أحد على إلغائها فربما لم يصل إلى علم القائل بهذا أن المنادين بها ليسوا أقباط المهجر فحسب؛ بل وأيمن نور الذي صرح بأنه يريد العودة إلى دستور 23، والبرادعي، ومجموعات ممن يسمون أنفسهم مثقفين تملأ دعواتهم السهل والوادي، واستفزت شيوخ أزهريين كما أسلفنا.
وأما أننا في مأمن الآن بعد تشكيل اللجنة فكلام صحيح إلى حد كبير، ولكن لابد من الانتباه إلى عدة أمور: