شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نصائح فى مواجهة الفتن

عصام حسنين • التزكية

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجب وفعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده، وليس عليه هداهم" اهـ بتصرف من الأمر بالمعروف لخالد السبت ص257 وما بعدها .

4- الضرر يزال، والضرر لا يزال بالضرر: ثانيًا: الرجوع لأهل العلم وعدم سؤال الجهال أو الاستجابة لعواطف العامة، وأهل العلم هنا هم علماء الكتاب والسنة على منهج سلف الأمة الذين آتاهم الله فقهًا وعلمًا وبصيرة الذين أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بلزوم غرزهم عند ظهور الدعاة على أبواب جهنم، الذين يدعون إلى البدع والفجور والمعاصي كما في حديث حذيفة -رضي الله عنه- حيث قال: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي.. " وفيه: فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: ( نَعَمْ. دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ قَالَ: ( نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: ( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ) (متفق عليه) .

وجماعة المسلمين هم أهل العلم المتمسكين بما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، كما سئل إسحاق بن راهويه -رحمه الله- عن الجماعة، فقال: "عالم متمسك بأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ثم قال: لم أسمع عالمًا منذ خمسين سنة كان أشد تمسكًا بأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- من محمد بن أسلم" اهـ .

- وسئل ابن المبارك أيضًا عن الجماعة الذين ينبغي أن يُقتدى بهم؟ فقال: "أبو بكر وعمر، فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت، والحسين بن واقد. قيل له: من الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري".

- وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك" انظر الاعتصام للشاطبي .

- هؤلاء هم العلماء الذين تلزم غرزهم، ولا تصدر في أمر من أمورك اشتبه عليك إلا عنهم، قال الحسن البصر -رحمه الله-: "الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل".

4- التثبت وإنزال ما اشتبه بأهل العلم:

أرشدنا ربنا -تعالى- إلى أنه إذا نزل بنا أمر من الأمن أو الخوف ألا نذيعه إلا بعد التثبت منه، ومراجعة أهل العلم، قال الله -تعالى-: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا ً) (النساء:83) . وأولو الأمر: هم العلماء الربانيون، والأمراء الذين يقودون الناس بكتاب الله -تعالى-.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "هذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها، ويفشيها وينشرها وقد لا يكون لها صحة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) (رواه مسلم في مقدمة صحيحه بسند صحيح) ، وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ ثَلاثٍ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ"، أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر، ولا تبين، وفي سنن أبي داود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

- وقد نزلت هذه الآية بسبب ذلك حين أذاع الناس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طلق نساءه، فاستأذن عمر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستفهمه: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: ( لا ). فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. (متفق عليه) .

وعند مسلم: "فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِسَاءَهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الأَمْرَ". ومعنى ( يَسْتَنْبِطُونَهُ ): أي يستخرجونه من معادنه.

5- إشغال النفس بطاعة الله -تعالى-:

إن النفس في أوقات الفتن مولعة بأحاديث الباطل، وتناقل الأخبار دون تثبت أو تروٍ، فالمؤمن في هذه الأوقات يُشغل نفسه بطاعة الله -تعالى-، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ) (رواه مسلم) ، و( الْهَرْجِ ) هو: الفتنة واختلاط أمور الناس.

- وتقوية الصلة بالله -تعالى-، التي فيها الخير والثبات، والهدى والأجر العظيم، قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا . وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) (النساء:66-68) .

ويوم القيامة يكون مع الذين أنعم الله عليهم: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) (النساء:69) . ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا.

- وأمرنا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل نزول الفتن؛ لأنها من المثبتات والحافظات، والسبب لمعية الله الخاصة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية