لماذا تغير موقف السلفيين من المشاركة السياسية؟
صوت السلف • قضايا معاصرة
هربوا من هذه الثيوقراطية إلى الديمقراطية وقالوا: الحكم للأغلبية، أما عندنا فالحكم لله -عز وجل-؛ لأن الحاكم والمحكوم عندنا كلاهما محكوم بشرع الله، فأخذوا محاسن من النظام الإسلامي وهو أن الأمة هي التي تعين الحاكم ولها أن تعزله ولها أن تراقبه وتأمره وتنهاه هذه الأمور لمن تكن عندهم وإنما كانت عندنا نحن فقد توفي الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يستخلف فاختار الصحابة -رضي الله عنهم- أبو بكر خليفة للمسلمين، فأهل الحل والعقد هم ممثلي الأمة، وهذا الواجب أن يكون عندنا، فأهل الحل والعقد هم أهل الخبرة والمشورة وهم الذين يختارون رئيس الدولة ولهم حق عزله أيضًا وقد نص العلماء على ذلك في حالة زيادة الظلم والغشم والجور وزيادة المفاسد عن خلعه فيصير بقاؤه مفسدة كبرى كما هو الحال في ليبيا فبقاؤه تدمير للبلد كلها وسفك دماء الشعب فلا يمكن أن يؤمر الناس بالاستسلام والقتل بحجة أنهم لا بد أن يسمعوا ويطيعوا.
الآن يوجد قدر كبير من الحرية يمنع أن تفرض علينا تنازلات، ويوم يفرض علينا تنازل عن ثوابت عقدية لا يمكن أن نشارك.
وكان أيضًا من ضمن أسباب عدم المشاركة سابقًا: أن الثمن المدفوع مكلف جدًّا والنتيجة معلومة مسبقًا، وكل استفتاء سبق قبل ذلك كانت نتيجته معروفة أنها نعم، ولا يمكن لأحد أن يطعن بالتزوير.
ولذلك صدم بعض الناس لأن الإعلام عامته سواء الجرائد أو التليفزيون الحكومي أو محطات فضائية ومعهم العالمانيين والليبراليين كان يؤكدون على الناس أن يقول: لا للاستفتاءات على التعديلات الدستورية؛ فجاء قول الشعب: نعم مخالفًا لتوقعاتهم جميعًا.
فكان الثمن مكلف جدًّا والمكسب محدود جدًّا؛ لأن التزوير معروف كنتيجة أساسية وفي النهاية نصبح ديكورًا لنظام يريد معارضة ديكورية وفي النهاية النتائج محسومة، وما جرى في الانتخابات الأخيرة جعل كثيرًا من الإسلاميين ينسحبون؛ لأن النسبة الضئيلة التي كانت تمنح لهم تقلصت فبعد أن كانت ثلاثين بدلًا من ثمانين بالمائة تقلصت إلى 3 أو 2% فكانت هذه المقاطعة إيجابية وليست سلبية.
الثورة المصرية والأنموذج التركي:
الأنموذج التركي لم يتم بثورة، فقد تعرضت تركيا لمأساة كبيرة جدًّا، والأنموذج التركي يطرح البعض كطريق للإسلام السياسي المعتدل الذي يقبله الغرب ، ويمكن أن تكون التجربة أقصى ما يحلم به الناس في تركيا؛ لأن الإسلام في تركيا تعرض لاضطهاد فظيع لم ير مثله حيث فرضت العالمانية بالحديد والنهار.
ولا يزال فيها قوانين تقول: من يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية يعاقب بالسجن ثماني سنوات، ولو كان في جماعة منظمة فالسجن مدى الحياة، ومن يحفظ أولاده القرآن خارج المقررات المدرسية يعاقب بالسجن ثلاث سنوات، مما أدى بالشعب التركي نفسه إلى عدم فهمه لكثير جدًّا من القضايا عظيمة الأهمية جدًّا.
فالبرلمان التركي الذي تسيطر عليه الأغلبية من حزب العدالة، وقد ضغطت أوروبا على البرلمان ضغطًا شديدًا؛ لكي يسن تشريعًا يلغي تجريم الزنا -إذا أردوا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي- مع أنه تجريم أعرج في الحقيقة؛ لأنه تجريم يجعله حق للزوج فقط، وإذا كانت المرأة غير متزوجة وسنها فوق الثامنة عشرة فقط وكان الزنا من غير دعارة ولا إكراه، ومع ذلك لم يعجبهم هذا القانون، وفرضوا على البرلمان التركي أن يغير ذلك ويقول: الزنا ليس بجريمة.
والذي دفع البرلمان التركي الذي يسيطر عليه حزب ذو أصل إسلامية إلى سن ذلك القانون أن هذه القضية ليست كبيرة عندهم أنهم لم يتعلموا هذه القضية ولم يدرسوها ولا يعلمون أن القول بأن الزنا ليس بجريمة استحلال لما حرم الله -عز وجل- وهذا كفر، ولكنهم لا يعلمون وكان أقصى ما يحلمون به أن تدخل طالبة الجامعة بحجابها أو تسير به في الشارع، فقد كان الحجاب ممنوعًا.
ووضعنا -بلا شك- ليس كذلك، وقد حافظ الشعب المصري على تدينه عبر التاريخ رغم أنه قد حاولت جهات متعددة صبغ الشعب بالصبغة العالمانية إلا أن الشعب قاوم خصوصًا مع وجود الصحوة الإسلامية القوية منذ أربعين سنة فغيرت كثيرًا من الموازين وعاد الشعب إلى طبيعته الأصلية وإلى فطرته وإلى عقده الاجتماعي إلى عقيدته إلى الإسلام بنسبة كبيرة جدًّا.
تجربة الجزائر في المشاركة السياسية في التسعينات:
الفرق الكبير بيننا وبين تجربة الجزائر في التسعينات أن موقف الجيش كان مختلفًا تمامًا، دخل الإسلاميون بكل قوتهم رغم أن الجيش كان على العالمانية الصرفة وبالتالي فرض إلغاء الانتخابات رغم اكتساح الإسلاميين لها، أما الجيش المصري فوضعه مختلف فهو أولاً جزء من الشعب، والشعب بطبعه متدين، وهذا موجود في قطاعات عريضة جدًّا من الجيش المصري، وبالتالي لم يقف الجيش -بفضل الله- ضد إرادة الأمة بل وقف معها وأيد إرادتها في التغيير، وبالتالي لا أظن أبدًا أن الجيش سيقف ضد إرادة الأمة في المحافظة على هوية مصر الإسلامية بل وتفعيل هذه الهوية إلى المزيد؛ لأن هذه هي إرادة الأمة فعلاً.
المشاركة في العمل السياسي:
بالتأكيد أن الفرصة الآن أكبر بكثير جدًّا مما سبق فليس في الانتخابات تزوير، كما أنه يوجد احترام لكل إنسان أن يعرض ما يريد دون أن تفرض علينا إملاءات معينة، ولا شك أن جزء من هذه القوى تغير داخل مصر وفي المنطقة كلها وإن كانت موازين القوى لا زالت مؤثرة وفي العالم كله ونحن نستوعب ذلك، وندرك أنه فرق كبير بين الواجب المطلوب المرجو وبين المتاح الممكن وهو حسب الطاقة ( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (التغابن:16) .
فليس كل ما نحلم به نتوقع تحقيقه مع أننا نرجو الله -سبحانه وتعالى- ونأمل أن ينتشر دين الله ويعم الأرض كلها، وهذا وعد الله -عز وجل-، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلامَ، وَذُلاً يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .