شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العلمانيون والشريعة المجهولة

أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان

"وكل عاقل يعلم -بالضرورة- أن من خاطب الناس في أمر الطب أو الحساب أو نحو ذلك من العلوم بكلام عظم به قدره، وكبر أمره، وذكر أنه بين لهم به، وعلم، وهدى، وأفهم؛ ولم يكن في كلامه ما ادعاه، بل كان كلامه أدل على خلاف الحق، كان هذا إما مفرطًا في الجهل والضلالة أو الكذب والشيطنة والنذالة، فكيف إذا كان قد تكلم في أمر الإلهية والحقائق الربانية بكلام زعم أنه أفضل الكلام، ونسبه إلى خالق الأنام، وجعل من خالفه شبيهًا بالأنعام؟! مع أن ذلك الكلام لم يدل على ما ادعاه من الحق، بل دلالته ظاهرة على خلاف العلم والعقل، فهل يكون مثل هذا المتكلم إلا في غاية الجهل والضلال، أو غاية الإفك والبهتان والإضلال؟! فهذا حقيقة قول هؤلاء في الرسول -صلى الله عليه وسلم-".

"وحقيقة قول هؤلاء أن المخاطب لنا -وهو الرسول صلى الله عليه وسلم- لم يبين الحق، ولا أوضحه، بل كلمنا بكلام دل ظاهره على الباطل، وأراد منا أن لا نفهم منه شيئًا، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه في كلام المتكلم أصلاًَ، وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد".

"الرسول قد أمره ربه -تعالى- بالبلاغ المبين، ومع البلاغ المبين لا يكون بيانه ملتبسًا مدلسًا، وكل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال له: إنه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الذي هو: صرف اللفظ عن ظاهره المعهود؛ فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر، لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الناس أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه ويدلهم عليه؛ لإمكان أن يعرفوا ذلك بعقولهم، فإن هذا قدح في الرسول".

"ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول شيئًا من الأمور، فصار وجود الرسول عندهم وعدمه سواء، بل وجوده -على قولهم- أضر من عدمه؛ لأنهم لم يستفيدوا من جهته شيئًا، واحتاجوا إلى أن يدفعوا ما جاء به بالتأويل وبغيره".

"فإنه إذا جاز أن يكون في كلام الله ورسوله شيء يعارض العقل، ويجب تقديمه من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق العقل؛ لم يأمن الإنسان أن يكون كل ما يسمعه من كلام الله ورسوله من هذا الباب، بل غايته أن يقول: ليس عندي من العقليات ما يناقضها، أو: لم أسمع، أو: لم أجد، أو: لم يصلني، ونحو ذلك، وهذا كله لا ينفي أن يكون في نفس الأمر قضايا عقلية لم تصل إليه."

"ومن لم يقر بما تكلم به الرسول إلا أن يعلم ذلك بدليل منفصل غير كلام الرسول -كما هو لازم قول هؤلاء-؛ لم يكن مؤمنًا به، بل كان مع الرسول كالفقهاء بعضهم مع بعض، وهذا في الحقيقة عزل للرسول عن موجب رسالته، وجعل له كأبي حنيفة مع الشافعي، وكأحمد بن حنبل مع مالك، إن قام دليل على قوله؛ وافقه؛ وإلا لم يوافقه".

"ولهذا كان الذين صرحوا بتقديم العقل على السمع ليس فيهم من يستفيد من الأنبياء علمًا أو هدى؛ إذ لم يكونوا مؤمنين بأن الرسول بلغ البلاغ المبين المعصوم، بل إيمانهم بالنبوة فيه ريب وحيرة، فلا تجد أحدًا منهم إلا وفي قلبه مرض في إيمانه بالرسول، فهذا يحتاج -أولاً- إلى أن يعلم أن محمدًا رسول الله الصادق المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق، وأنه بلغ البلاغ المبين، وأنه معصوم عن أن يقره الله على خطأ فيما بلغه عنه".

المعارضون للشريعة ينزلون أنفسهم منزلة فوق منزلة الأنبياء:

"لازم هذه المقالة وحقيقتها ومضمونها: أن الرسول لا يكون فيما أخبر به عن الله -تعالى- ودينه وشرعه لا علم ولا هدى ولا كتاب منير، ولا يكون قد بلغ البلاغ المبين، ولا أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولا هداهم إلى ما يعرفون به الحق من الباطل، وأن كلام الله ورسوله لم يدل على المقصود، بل يرجع في معرفة المقصود إلى آراء هؤلاء وأقوالهم، وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام".

"ولازم هذا القول أن يكون ما أتى به هؤلاء من العلم والهدى والمعرفة أفضل وأشرف مما أتى به النبي، وأن يكون هؤلاء أفضل وأكمل من النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن سائر الأنبياء كما قد صرح به طائفة من المتفلسفة وغلاة الصوفية، ومن لم يقر منهم بتفضيل أئمته وشيوخه؛ لزمه ذلك لزامًا لا محيد عنه؛ إذ جعل العلم والهدى والبيان إنما يستفاد من كلام هؤلاء، لا من كلام الأنبياء".

شبهة إعمال العقل والرد عليها:

"وكثير من هؤلاء الذين يقولون أن الرسول لم يبين لنا مراده يقول أن فائدة إنزال هذه النصوص التي يسمونها: مشكلة أو متشابهة، أو محتملة، أو نحو ذلك، فائدتها عندهم: أن يجتهد المجتهدون في صرفها عن معناها ومقتضاها بالأدلة العقلية المعارضة؛ حتى تنال النفوس كدَّ الاجتهاد، وتنهض إلى التفكر والاستدلال، فيثابوا على ذلك.

فحقيقة الأمر عند هؤلاء: أن الرسول خاطب الخلق بما لا يبين الحق، ولا يدل على العلم، ولا يفهم منه هدى، بل يدل على الباطل، ويفهم منه الضلال؛ ليكون انتفاع الناس بخطاب الرسول: اجتهادهم في رد ما أظهره وأفهمه للناس، وأنهم بسبب ذلك ينظرون نظرًا يؤديهم إلى معرفة الحق من غير أن ينصب لهم الرسول على الحق دلالة ولا يبينه بخطاب أصلاً.

"فمثال ذلك عندهم مثل من أرسل مع الحجيج أدلاء يدلونهم على طريق مكة، وأوصى الأدلاء بأن يخاطبوهم بخطاب يدلهم على غير الطريق؛ ليكون ذلك الخطاب سببًا لنظرهم واستدلالهم حتى يعرفوا طريق مكة بنظرهم، لا بأولئك الأدلاء، وحينئذ يردون ما فهموه من كلام الأدلاء، ويجتهدون في نفي دلالته، وإبطال مفهومه ومقتضاه، وصار خلق كثير يزعمون أنهم أعلم بالطريق من هؤلاء الأدلاء وصار كل منهم يستدل بنظره واجتهاده؛ فاختلفوا في الطريق، وتشتتوا وسلكوا طرقًا أخرى غير طريق مكة؛ فأفضت بهم إلى أودية مهلكة، ومفاوز متلفة، وأرض متشعبة؛ فأهلكتهم.

وطائفة أخرى شكوا وحاروا، فلا مع الأدلاء ذهبوا، ولا لطرق المخالفين المختلفين ركبوا، بل وقفوا مواقف التائهين الحائرين حتى هلكوا -أيضًا- في أمكنتهم جوعًا وعطشًا، كما هلك أرباب الطرق المتشعبة، فلم يظفروا بالمطلوب، ولا نالوا المحبوب، بل هلكوا هلاك الخاسر الحائر.

الصفحة السابقة الصفحة التالية