هل تنصرون إلا بضعفائكم؟!
محمد إسماعيل أبو جميل • مع الدعاة
فالضعف المقصود في الحديث.. ضعف مادة.. ضعف أسباب، وأما القلوب فهي دائمًا مستعلية بإيمانها وتقواها: ( وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:139) ، ( لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى ) (طه:68) ، قوية بثقتها بالله وحسن ظنها بربها -جل وعلا-: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، قوية بثقتها بمنهجها وبدينها ( هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) (الأحزاب:22) ، قوية بالتزام طاعة الله وطاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) (الطلاق:4) .
أعجز الناس: ولا عذر لأحد منا في ترك هذا السبب، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- ( أعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجزَ عن الدُّعاءِ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) ، فلا يقولن أحد: "ما معي من سبيل أنصر به الدين، وهذه البلاد.. هذا يدعو إلى الله ويبين للناس.. وهذا يعلي صوته وينذر الناس.. وهذا يسعي بمشاركات مادية أو سياسية أو اقتصادية أو معنوية، أو.. أو.. وأنا لا أحسن هذا ولا ذاك، والكيد يشتد من كل جانب.. ".
نقول: ليضرب كل منا بما استطاع من سبيل بسهم، أو بما يقدر عليه، ولا يدخر في ذلك وسعًا سواء كان بنفسه أو مع غيره أو بنصيحة من يقدر على ما لا يقدر هو عليه، ولكن لا ينسى أبدًا أن مع كل منا ذاك السهم الذي لا يخيب -بإذن الله جل وعلا-، فإنه جماع الخير، و"رب دعوة خالصة من قلب مؤمن مغمور لا يؤبه له تكون سببًا في تغير الموازين، وحصول الخير للبلاد والعباد".
- وليست هذه الدعوة للتخذيل أو ترك الأسباب، وإلا فإن الله كان قديرًا أن ينصر نبيه -صلى الله عليه وسلم- في كل موطن بالدعاء فقط، وبغير أسباب أصلاً، فالأخذ بالأسباب سنة كونية، ولقد كان -عليه الصلاة والسلام- يظاهر أحيانًا بين درعين، ويستفرغ وسعه في الأسباب الظاهرة متوكلاً على ربه -جل وعلا-: ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (آل عمران:122) ، ولكنه لا ينسى أبدًا أعظم الأسباب: ( بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وَإِخْلاصِهِمْ ).
فلنجتهد في الدعاء ولنتحلى بآدابه، ولنحرص على أوقات الإجابة؛ لا سيما ونحن مقبلون على "رمضان" شهر الدعاء، ودعوة الصائم لا ترد: ( ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) ، وكذلك وقت السحر والنزول الإلهي في ثلث الليل الآخر، وغير ذلك من أوقات الإجابة من ليل أو نهار، رمضان وغيره من الشهور والأيام، ولا تكل الألسنة ولا القلوب من الدعاء؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم- ( لاَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، و( أفْضَلُ العِبادَةِ الدُّعاءُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
ولا تفتر ألسنتنا ولا قلوبنا عن الذكر: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45) ، ( أنا مَعَ عَبْدِي ما ذَكَرَني وَتَحَرَّكَتْ بي شَفَتاهُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
ولنجتهد في الصلاة، فإنها الصلة بين العبد ومولاه، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وهي إحدى غايات التمكين كما أنها من أسبابه ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) (الحج:41) .
ولنحرر الإخلاص في قلوبنا، ولنجردها لله -جل وعلا-، فإننا في لحظات فارقة في عمر أمة الإسلام، ليس في هذا البلد فحسب ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ) (الأحزاب:51) ، ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (آل عمران:154) ، فهل فعلاً نستشعر خطورة الموقف، وضرورة العمل والتحرك، وهل فعلا نوقن ألا ملجأ من الله إلا إليه ولا مولى لنا إلا هو، وأنه هو وحده نعم المولى ونعم النصير؟!
فان استحضار ذلك بقلوبنا ومشاهدتنا له لهو أعظم من كل سبب، وهو عند ظن عبده به ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ).
ولنبشر بخير -بإذن الله-، فإن هناك أمرين لو حصل أحدهما كانت الإجابة محتمة -إن شاء الله-: "الظلم والاضطرار"؛ يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( واتّقِ دَعْوَةَ المَظلومِ فإنهُ ليسَ بَيْنَها وَبَيْنَ الله حِجاب ) (متفق عليه) ، ( اتَّقُوا دَعْوَة المَظْلُومِ فَإنَّهَا تُحْمَلُ على الغَمامِ يَقُولُ الله وعزَّتِي وَجَلالِي لأنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ) (رواه الطبراني: وصححه الألباني) ، فكم ظلمنا بافتراءات وأكاذيب واتهامات بالباطل.. ؟!
وكم ظلم هذا الشعب المسلم من محاولات لمنعه من العيش في عهد جديد أقرب للإسلام.. ؟!
وكم ألبس الحق باطلاً والباطل حقًا.. ؟!
وكم من مسلم ومسلمة أرادوا أن يجهروا بالإسلام؛ فأوذوا وحوربوا حتى يظلوا في قيود الكفر والظلم البين، ولا يملك أهل الإسلام له خلاصًا.. ؟
وكم من مسلم أوذي في دينه ونفسه وماله وولده وأهله وعرضه يحال بينه وبين استنشاق نسيم العدل وأن يقتص له من ظالميه..؟!
ولكن عزاء الجميع أن الله لا يخلف وعده أبدًا.. ( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (البقرة:214) ، ولعل كل ما نحن فيه اليوم مما لم يكن يحلم به أحد هو من جرّاء دعوة مظلوم سمعها الملك العلام منه في جوف الليل.. مَن يدري؟!
ويقول الله -جل وعلا-: ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (النمل:62) ، ليس إلا هو -جل وعلا-.