شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قبل أن تُسودوا

وائل سرحان • التزكية

و"طلب الشرف والعلو على الناس بالأمور الدينية: كالعلم، والعمل، والزهد؛ أفحش وأقبح وأشد فسادًا وخطرًا؛ فذلك إنما يُطلب به ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم، والقربى منه والزلفى لديه " (السابق باختصار) .

وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا ، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

إن حب الرياسة والتصدر شهوة يترتب عليها "من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق الله، وتعظيم من حقّره الله، واحتقار من أكرمه الله.. والرؤساء في عمىً عن هذا" (كتاب الروح باختصار) .

وكان الفضيل -رحمه الله- يقول: "ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكر الناس أحدًا عنده بخير، ومن عشق الرياسة فقد تودع من صلاحه".

وما ذكره الفضيل -عليه رحمة الله- كما أنه من مفاسد حب الرياسة هو أيضًا من علاماتها؛ فالحرص على مدح النفس وبيان إنجازاتها، والغضب إن لم يذكر بالألقاب ودوام إظهار عيوب الآخرين خاصة الأقران، والحرص على النقد دونما سبب، والإصرار على الرأي علامات ومفاسد، فلنبحث جميعا في خبايا أنفسنا وزواياها، ونتحسس لماذا نحزن؟ ولما نفرح؟

"وما تتمكن الرياسات حتى يتمكن من القلب: الغفلة، ورؤية الخلق، ونسيان الحق" (صيد الخاطر) ، حتى يعمي صاحبه عن قبوله، فحب الرياسة هو الذي صد هرقل عن الحق -رغم تيقنه به- فمات كافرًا، فقد سأل هرقل أبا سفيان عن صفات النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره، فعرف أنه رسول الله ودعا أمته لذلك؛ فلما حاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ولم يستجيبوا نكص على عقبيه ورجع، وقال: "إِنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمْ الَّذِي أَحْبَبْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ" (رواه البخاري ومسلم)، ثم استمر على كفره -نسأل الله العافية-! بل حارب الله ورسوله لما قاتل جعفر وأصحابه في غزوة (مؤتة)؛ ولذلك قيل: "ما صد عن الله مثل طلب الرفعة، ولا يفلح من شُمت منه رائحة الرياسة" وهو نفس الداء العضال الذي غلب على إبليس فأبى واستكبر وكان من الكافرين، فمن يا ترى حادي محبي السيادة وقدوتهم؟؟

كم أفسد العمل الجماعي، وكم مشكلة استعصى على الحكماء حلها، وكم دعوات توقفت كان سببها حب الرئاسة والتصدر وشهوة الميكروفونات! مشكلات دعوية عويصة ينفق الدعاة المخلصون أوقاتًا ثمينة هم وأمتهم بحاجة إليها ينفقونها في حل خلافات -في حقيقتها- تافهة ساذجة لكن غلظها ونفخ فيها حب الترؤس والتصدر، والأنفة التي أورثتها السيادة قبل التفقه.

حـب الـريـاسـة داء يحـلـق الدين ويجـعـل الحب حـربًا لـلمـحبـيـنا

يـفـري الحلاقم والأرحام يقطعها فـلا مـروءة يـبــقـي لا ولا ديـنـا

من ساد بالجهل أو قبل الرسـوخ فـلا تــراه إلا عـدوًّا لـلمـحـقـيـنـا

يـبغي ويحسد قومًا وهو دونـهـم ضـاهـى بـذلـك أعــداء الـنبـيـيـنا

وقال إسحاق بن خلف: "والله الذي لا إله إلا هو لإزالة الجبال الرواسي أيسر من إزالة الرياسة" (جامع بيان العلم باختصار) ، وقديمًا قال سلفنا الأكياس: "إذا رأيت الرجل يخاصم، فهو يحب الرئاسة" (سير أعلام النبلاء) .

إنها فتنة تنكشف أمامها كمائن القلوب..! لذلك كان الثوري -رحمه الله- يقول: إياك وحب الرياسة، فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة. "وحب الرياسة يرجع إلى حب الذات وهي شهوة تبعث على إرادة العلو والاستكبار، والكبر والعجب، فأنت لا ترى المعجب إلا طالبًا للرياسة" (جامع بيان العلم) ، فحبها والسعي إليها فيه اتكال على النفس وعجبًا بقدراتها وغرورًا بإمكاناتها، ودونك خبر عبد الرحمن بن سمرة الآتي فتأمله.

وحب الرئاسة والزعامة وحب الشهرة متقاربان، بينهما كثيرٌ من الارتباط وهي شهوة دفينة، فـ"النفس تحب الرفعة والعلو على أبناء جنسها" وتحب"المحمدة ونيل المنزلة في قلوب الخلق، وهو أمر مغروس حبه في أعماق النفس البشرية، ومتجذر داخلها" (مختصر منهاج القاصدين) ، فهي "مشحونة بحب العلو والرئاسة، فتجد المرء يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه، وإنما معبوده ما يهواه وما يريده، ويكون من أطاعه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله وخالف هواه، وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل، وإن كان عالمًا أو شيخًا أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، وربما أبغض نظيره حسدًا وبغيًا" (مجموع الفتاوى باختصار وتصرف) .

"ولذلك يعسر خروج حب الرئاسة من القلب إذا انفرد، حتى قيل: حب الرئاسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين، فكيف إذا انضاف إليه الهوى وانضاف إليهما دليل في ظنه شرعي على صحة ما ذهب إليه؟! فيتمكن الهوى من قلبه تمكنًا لا يمكن في العادة الانفكاك عنه" (الاعتصام بتصرف واختصار) ، فإذا كان آخر ما يخرج من قلوب الصديقين والعلماء، هو حب الرئاسة فكيف بغيرهم؟...

وهذه الشهوة الخفية تجعل "همّ المرء أن يسوّد على خمسة أو عشرة أو أقل أو أكثر دون أن يُفكر بورع صادق في تبعات ذلك في الدنيا والآخرة، وتظل نفسه تحدّثه ويُمنيه هواه بها، فتراه ينسى نفسه ويلهث من أجل الوصول إليها والعض عليها بالنواجذ، ثم تجد التسابق والتنافس، بل الكيد والكذب أحيانًا للوصول إليها!" (البيان (90) مقال الصويان باختصار) ، وصدق قول الفضيل: "ما من أحد أحبّ الرياسة إلا حَسَدَ وبَغَى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير" (جامع بيان العلم) .

لذلك تواترت النصوص النبوية في التحذير من تمني الإمارة والسعي إليها، فنصح النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا ذر فقال له: ( يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ ) (رواه مسلم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية